رسيني الرسيني
في ظل الأوضاع المتوترة إقليميًا، يبرز توطين الصناعة العسكرية كخيار إستراتيجي لا يرتبط بالحروب فقط، بل ببناء اقتصاد أكثر مرونة واستقلالية. وقد أدركت المملكة هذه الحقيقة مبكرًا وذلك باستهداف توطين الصناعات العسكرية منذ إطلاق الرؤية التي لم تكن مجرد برنامج اقتصادي فحسب، وإنما إطارًا حضاريًا يستهدف تحقيق محاورها الثلاثة: مجتمع حيوي واقتصاد مزدهر ووطن طموح، ولذلك لم تغفل الرؤية أهمية توطين الصناعات العسكرية باعتبارها ركيزة لتعزيز السيادة الوطنية وتطوير القدرات الدفاعية، وفي الوقت ذاته محركًا اقتصاديًا يفتح آفاقًا جديدة للاستثمار والتوظيف ونقل المعرفة التقنية إلى الداخل.
يمثل توطين الصناعات العسكرية أحد أبرز المشاريع الإستراتيجية التي تسعى المملكة من خلالها إلى تعزيز استقلالها الدفاعي وتنويع اقتصادها الوطني. وقد أعلنت الهيئة العامة للصناعات العسكرية ارتفاع نسبة توطين الإنفاق العسكري إلى ما يزيد على 24 % بنهاية عام 2024م، مقارنةً بأقل من 8 % فقط في عام 2019م، في مسار يستهدف تجاوز 50 % بحلول عام 2030م.
يأتي هذا التقدم نتيجة تكامل الجهود بين القطاعين العام والخاص لتمكين المصنعين المحليين والدوليين وفتح المجال للاستثمار في بيئة صناعية جاذبة. كما يشكل هذا التوجه جزءًا من برنامج تطوير الصناعة الوطنية والخدمات اللوجستية الذي يهدف إلى بناء سلاسل إمداد متقدمة وتوجيه البحث والتطوير نحو التقنيات المستقبلية، بما يدعم تنويع الاقتصاد وتعزيز قدرته على مواجهة الأزمات.
اقتصاديًا، لم يقتصر توطين الصناعات العسكرية على بناء مصانع أو نقل تقنيات، بل امتد ليشمل تنمية رأس المال البشري عبر إنشاء الأكاديمية الوطنية للصناعات العسكرية، التي تستهدف إعداد كوادر متخصصة في المجالات التقنية والهندسية المرتبطة بهذا القطاع. وتشير التقديرات إلى أن هذا التوجه قد يسهم في توفير نحو 40 ألف وظيفة مباشرة و60 ألف وظيفة غير مباشرة بحلول عام 2030م. ويعكس ذلك دور الصناعات العسكرية في إطلاق قدرات القطاعات غير النفطية الواعدة، وهو ما يتسق مع التوجهات الاقتصادية التي تهدف إلى تقليل الاعتماد على النفط وتحقيق استدامة النمو، وقد أفردت مقالة خاصة سأنشرها لاحقًا عن ارتفاع مساهمة الإيرادات غير النفطية في ميزانية المملكة إلى نحو 45 % لعام 2025م.
الجدير بالذكر، أنه لم يكن هناك شركات مرخصة تعمل في هذا المجال في عام 2016م، بينما وصل عددها في عام 2024م إلى نحو 300 شركة حققت قيمة مبيعات تراكمية تجاوزت 34 مليار ريال، فيما بلغت مساهمة القطاع من إجمالي الناتج المحلي أكثر من 6.6 مليار ريال في عام 2024م. وتتوزع هذه الشركات بين مجالات تصنيع المعدات العسكرية، والصيانة والإصلاح، والأنظمة الإلكترونية والدفاعية، كما تشارك في تطوير تقنيات متقدمة مثل الطائرات دون طيار والأنظمة الدفاعية الذكية. ويعكس هذا النمو تأسيس قاعدة صناعية قادرة على دعم الاقتصاد الوطني وتعزيز الجاهزية العسكرية، بما يسهم في تحقيق الاستقلالية الإستراتيجية وترسيخ مكانة المملكة في الصناعات المستقبلية.
حسنًا، ثم ماذا؟
توطين الصناعات العسكرية ليست للأمور العسكرية فحسب، بل زيادة القيمة المضافة المحلية، وتحفيز الابتكار، وتعزيز مساهمة القطاعات الإنتاجية في الإيرادات العامة.