د. تنيضب الفايدي
تتميز منطقة الحدود الشمالية بموقعها الجغرافي الذي يعتبر منطقة الاتصال مع الدول الحدودية المجاورة كالعراق والأردن، الأمر الذي أتاح لها فرصة التأثير والتأثر والاتصال الحضاري منذ القدم، وتشغل مساحة شبه طولية حيث ترتبط بمناطق أخرى من مناطق المملكة العربية السعودية مثل منطقة الجوف وحائل والقصيم وقاعدة الحدود الشمالية مدينة عرعر، وقد تميزت هذه المنطقة بتعدد الآثار في مساحات شاسعة، ولاسيما في الأودية وطريق الحاج (درب زبيدة)، ومن أهم مدنها عرعر حيث تعد مدينة عرعر قاعدة منطقة الحدود الشمالية، وتقع في موقع متوسط من المنطقة، وهي الأكبر مساحةً وسكاناً وتعتبر بوابة الحدود الشمالية، ويمر بها الخط الدولي إلى الشام، وهي معروفة منذ القِدم في وادي بدنه، وبدنة مدينة درست، وقد ارتبط وادي بدنة بعرعر، ويظهر أن هناك حضارات قامت في هذا الوادي لوجود بعض الكتابات اللاتينية في كثير من صخوره، وقد ارتبطت عرعر بالسمو والشوق، قال إمرؤ القيس عن عرعر:
سما لك شوقٌ بعد ما كان أقصرا
وحلَّت سُليْمى بطن قوٍّ فعرعــرا
ويعتز الباحث بالحضن الآمن والسد المنيع أي: الحدود الشمالية؛ لذا يشتاق إليها وإلى أهلها دائماً، ولذلك استشهد ببيت الشعر أعلاه ولكن (عرعر) تتكرر في مواقع كثيرة، ومن تلك المواقع وادٍ جنوب مكة المكرمة يسمى وادي عرعر.. قال الشاعر:
فلو أسمع القوم الصــــــراخ لقوربت
مصارعهم بين الدخــــــول وعرعرا
وأدركهم شعـــــث النواصــي كـــأنهم
سوابق حجاج توافــــــي المجمّــــرا
ولكن اقتران قوٍّ مع عرعر في شعر امرئ القيس يؤكد على أنها عرعر الحالية المعروفة، وتتبع إمارة الحدود الشمالية بعض المدن التي ازدهرت في هذا العهد مثل محافظة رفحاء التي تقع في الجزء الشرقي من المنطقة، ومحافظة طريف تقع في الجزء الغربي من المنطقة، كما أن هناك بعض المراكز مثل مركز الشعبة، مركز العويقيلة، مركز الجديدة، مركز حزم الجلاميد، مركز لينة، مركز لوقة، مركز أم رضمة، مركز سماح، مركز الجراني، مركز الدويد، مركز أم خنصر، مركز نصاب.
وتنتشر في مساحة واسعة من المنطقة العديد من القرى والهجر. أما جغرافية الحدود الشمالية فتتكون من هضبة يطلق عليها هضبة الحجرة التي تتكون من الصخور الجيرية وتنقسم الهضبة محليا إلى أسماء مختلفة، مثل: هضبة الوديان غرباً حيث تكثر بها الأودية، أما في جهة الجنوب فتسمى بهضبة اللبّة ويطلق اسما الصحن والصحين على الجهة الشمالية من اللبة بارتفاع يقل عن الجهات الأخرى وتكثر الأودية في هضبة الحجرة التي تنحدر بحسب الانحدار العام للهضبة جهة الشمال، والشمال الشرقي، وتتخلل بعض أوديتها رمال الدهناء.
ومنطقة الحدود الشمالية تحتضن أكثر من 285 موقعاً أثرياً مسجلاً في سجل الآثار الوطني، إضافةً إلى وجود 39 موقعاً للتراث العمراني، و4 مساجد تاريخية، فالحدود الشمالية ترقد على كنوز تاريخية في مواقع متعددة مثل: بدينة، ووادي الخشيبي، وبدنة، ووادي الشاظي، ودوقرة، إضافة إلى المواقع التي تقع على درب زبيدة التي تمرّ بالحدود الغالية، و هناك آثار قبل طريق زبيدة حيث وجدت الشواهد في الاستيطان البشري ترجع إلى فترة العصور الحجرية، مثل: الدوائر والأدوات الحجرية التي عثر عليها في وادي عرعر ووادي الشاظي، كما أن هناك شواهد للكتابات القديمة والرسومات الصخرية ترجع إلى ما قبل الإسلام.
ولعلّ موقع لينة من المواقع الهامة إذا ما تمّ تتبع المواقع التاريخية، نجد أن لينة من أقدم قرى الجزيرة العربية، فقد وجدت في جنوب لينة منشآت حجرية وأساسات جدران وأدوات حجرية تدلّ على تاريخها القديم، وتربطها بعض المصادر مثل الحموي بعهد سيدنا سليمان عليه السلام، ففي لينة حوالي 300 بئر قديماً يقال بأن تلك الآبار حفرتها شياطين سليمان عليه السلام، وأرضها على لجة من الماء.
وعندما انتشر الإسلام أصبحت الحدود الشمالية وبحكم موقعها ممراً مهماً لطرق التجارة والحج التي سلكتها جيوش المسلمين في بداية عصر الإسلام، وتتجلى الآثار الإسلامية الباقية على وجه الخصوص في درب زبيدة طريق الحاج العراق ولازالت آثار مسار ذلك الطريق باقية، ويدل على ذلك بقايا قصور ومنازل وبرك وآبار وأعلام تحدد الطريق وقد تعددت الشواهد على صحة ذلك، ولعـلّ القارئ ولاسيما أبناء هذا الجيل يعتزون بكل بقعة من الوطن الغالي . وأهم مواقع المآثر التي تميز الحدود الشمالية ما يلي :
مواقع حول عرعر
حيث أحد المواقع شمال شرق وادي عرعر على قمة مرتفع جبلي يشرف على الوادي وتنتشر فيه المنشآت الحجرية، بالإضافة إلى بعض الأدوات المستخدمة من الحجر، كما يوجد بوادي عرعر أيضاً موقع آخر تظهر في بقايا جدران وأساسات حجرية ويدل على أن الموقع ربما يعود إلى نفس فترة الاستيطان للموقع السابق لتشابه الأدوات.
موقع جديدة عرعر
يتكون من ركامات، وأدوات حجرية وبقايا مبان من الحجر، تنتشر على ضفة الوادي وتعود إلى العصر الحجري الحديث، كما تنتشر في شعير عرعر أدوات حجرية حيث وجدت دائرتان حجريتان متداخلتان. والموقع الآخر في شعير عرعر قرب (اللويزيه) وهو عبارة عن دوائر حجرية منشأة من الحجارة المحلية، وبجوارها مقبرتان على مرتفع غرب الوادي، وقد وجدت رقائق حجرية، ومكاشط في الجوار، يبدو أنها مجلوبة للموقع، وتعود إلى فترة العصر الحديث.
موقع وادي الشاظي
تنتشر بهذا الوادي الكثير من بقايا رقائق حجرية مع وجود نقش ثمودية وتوجد أيضاً دائرة حجرية كبيرة يبلغ قطرها حوالي عشرة متر .
موقع وادي بدنة
تتكون الكثير من المنشآت الحجرية في هذا الوادي والتي تشمل الركامات الصخرية والمقابر والأساسات الحجرية وأدوات مصنوعة من الحجر. إضافة إلى الكثير من المنشآت المتعددة في وادي بدنة.
مواقع لينة
يتكون هذا الموقع من المنشآت الحجرية وأساسات جدران وأدوات حجرية جنوب لينة. كما يعد قصر الملك عبدالعزيز التاريخي في قرية لينة من أهم مواقع التراث العمراني في المنطقة إذ تم إنشاؤه بأمر من الملك المؤسس عبدالعزيز آل سعود رحمه الله بعد توحيد المملكة، وذلك في عام 1354 – 1355هـ ليكون مقرًّاً لإمارة المنطقة.
مواقع وادي الخشيبي
تعددت في هذا الوادي المباني الحجرية وأساسات الجدران وأدوات حجرية، إضافة إلى كسر فخارية، وكل ذلك يعود إلى فترات تاريخية قبل الميلاد.
مواقع بدينة
توجد به دوائر حجرية متعددة الأحجام وبالقرب منها في موقع دوقرة وجدت أدوات صوانية منوعة، تتكون من أنصال حجرية بعضهما مشحوذ، ومكاشط، ومثاقب ورؤوس سهام.
دلائل استيطانية في دوقرة
تستمر دلائل الاستيطان دونما انقطاع في فترة ما قبل الإسلام حيث تنتشر الكتابات الصفوية، والرسومات الصخرية على الجبال المحيطة بالمنطقة، وخاصة في وادي الشاظي والصفاوي. إن موقع دوقرة وما يحتويه من أساسات حجرية لمبانٍ ضخمة مبنية من الحجارة البركانية الكبيرة، بالإضافة إلى البركة البيضاوية، والعديد من التلال الأثرية، وما وجد به من فخار، لهو دليل قوي على الأنشطة السكانية التي وجدت في منطقة الحدود الشمالية قبل الإسلام.
كل ما سبق من المآثر التي تنتشر في الحدود الشمالية تدل على أن هناك حضارات قبل التاريخ الميلادي وعندما دخل الإسلام وجدت آثار متعددة أخرى، أبرزها تلك المعالم التي وجدت في طريق الحاج العراقي، حيث درب زبيدة .
درب زبيــــدة
ينسب الدرب إلى زبيدة بنت جعفر بن أبي جعفر المنصور المولودة عام 165هـ /762م، وزبيدة لقب لها كناية عن جمالها وحسن قوامها، وهي زوجة أمير المؤمنين هارون الرشيد، وأم ولده الأمين الذي ولي الخلافة بعد أبيه وترجع شهرة السيدة زبيدة إلى حبها لأعمال الخير والبر، وبخاصة عنايتها بطريق الحج، واهتمامها بتعبيده، وحفر الآبار عليه، وبناء البرك به، وتوفير الماء لحجاج بيت الله الحرام، حتى غلبت شهرتها على الطريق فصار يعرف باسمها. كذلك حفرت العيون، ولا تزال عين زبيدة في مكة المكرمة تعرف باسمها، وقد أمرت بحفرها من جبال شرق مكة المكرمة بين عرفات والطائف، واشترت من الأملاك والأراضي والمزارع ما كان يقف عائقاً بين انسياب الماء من العين إلى مكة وأهم المواقع لدرب الزبيدة فيما يتعلق بمنطقة الحدود الشمالية بركة الحمراء (الرستمية)، مواقع الشيحيات، العصافير (ذات التناتير)، الشاحوف (الرضم)، برك للحاج بوادي الزبالة، الجلبابي (القبيبات) ، بركة الجميمة (الجريسي) ، الثليمة (الهيثم) ، قباب خالصة، القاع ، العمياء، الظفيري.
بركة حمد الشيخة
تقع شمال غربي لينة قريب من محطة العشار باتجاه الشمال.
بركة الحمراء (الرستمية)
تقع شمالي موقع حمد، والموقع صغير يحتوي على أطلال وحدات معمارية، وبراكة دائرية الشكل.
الشيحيات (الشقوق)
تقع شمال شرقي محطة العشار ومحطة الشيحيات من المحطات الكبرى على طريق الحج ولعل تسمية الموقع بالشيحيات يعود إلى كثرة نبات الشيح بالموقع ويوجد في المحطة بركتان، وآبار مياه وأحواض وقنوات وبها أعلام للدرب تشير إلى اتجاه مكة المكرمة.
العصافير (ذات التنانير)
تقع جنوبي محطة زبالة، وهي من المحطات الصغيرة على درب الحج، أهم معالمها بركة مربعة الشكل وجدرانها مليسة بالجص من الداخل والخارج والموقع يحتوي على أطلال لمبان أثرية تتكون من غرف متفاوتة المساحات .
الشاحوف (الرضم)
تقع شمال غربي العصافير، وينقسم الموقع إلى جزأين يفصلهما وادي الشاحوف وأهم منشآت الموقع بركة دائرية مدعمة بدعائم أسطوائية وبها درج مزدوج في جزئها الشمالي الغربي، ومدخل الماء إلى البركة في الاتجاه المعاكس للدرج.
زبالة
تقع شمال شرقي محطة الشيحيات وهي من المحطات المهمة على درب الحج واشتهرت بوفرة مياهها وكثرة منشآتـها شأنـها شأن محطة فيد، وقد وصلت المدينة إلى مستوى حضاري متميز في العصر الإسلامي المبكر حيث كانت مدينة، ومحطة كبيرة للقوافل على مدى سنوات كثيرة، و بها وادي المعروف بوادي زبالة، ومن ابرز معالمها البركة، وحصن ومسجد وسور وأعلام الطريق.
بركة الجميمة (الجريسي)
تقع شرقي مدينة رفحاء، ويحتوي الموقع على بركة ماء ووحدات معمارية.
قباب خالصة
تقع شمالي بركة الثليمة، وهي موقع صغير على طريق الحج، أهم معالمه: مبنى من الحجر..
الثليمة (الهيثم)
تقع بالقرب من بركة الجميمة باتجاه الشمالي الشرقي وأهم معالم هذا الموقع بركة دائرية.
القــاع
تقع شمال شرقي محطة زبالة، ومحطة القاع من المحطات الكبيرة على درب الحج، ومن أهم معالمه البركة .
العمياء
تقع شمالي محطة القاع وهي محطة من الحجم المتوسط وأبرز معالمها بركة مربعة.
وأخيراً، فإننا عندما نذكر الحدود الشمالية إنما نسهم في إلقاء الأضواء على جزء غالٍ من نسيج الوطن، لا لنذكر أهميته وأهمية موقعه، فكل ذرة من تراب الوطن غالية ولكن لنذكر بعض الآثار للتأكيد على أهمية المحافظة عليها و العمل على صيانتها ونقلها لأبنائنا وبناتنا وتطبيق الأبحاث العلمية وإبرازها للأجيال اللاحقة، فتعدد المواقع التاريخية في المنطقة الغالية الحدود الشمالية وتنوعها بين أودية عميقة تاريخية وبقايا قرى تاريخية، مع اعتزاز أهلها بوجود الكنوز التاريخية: حيث إنهم يحافظون على تلك الآثار، كما أنهم مركز للدفاع عن حدود الوطن الغالي. يجعلها تتلذذ بها الأعين وتطمئن لها الأنفس، وترتاح على (وفي) تربتها الأجساد.
العين بعد فراقها الوطنا
لاساكناً ألِفَتْ ولا سكنا
ريانة بالدمع، أقلقها
ألا تحسّ كرى و لاوسنا
كانت ترى في كل سانحةٍ
حسناً ، وبانت لا ترى حسنا
والقلب لولا أنَّةٌ صعدت
أنكرته وشككت فيه أنا
ليت الذين أحبهم علموا
وهم هنالك ما لقيت هنا
ما كنت أحسبني مفارقهم
حتى تفارق روحي البدنا
المراجع
معجم البلدان للحموي، صيد الذاكرة الباصرة للدكتور تنيضب الفايدي، الأدب يخلد معالم الوطن للدكتور/ تنيضب الفايدي