تمهيد بلوتارخ
«لا أكتب تواريخ، بل سيراً. كلمة أو نكتة قد تكشف الشخصية أكثر من معارك تسقط فيها آلاف القتلى».
- بلوتارخ، «حياة الإسكندر»
لحظة فيليب وهو يذرف الدمع على ابنه: «يا بني، عليك أن تجد مملكة تسع طموحك، إن مقدونيا لصغيرة عليك».
لحظة مارك أنتوني في مسرح شكسبير، حين جعل الجمهور يكتشف عظمة قيصر بأنفسهم.
لحظة مارتن لوثر كينغ في سجن برمنغهام، حين حوَّل الألم إلى وثيقة إنسانية.
الآن، وبعد ألفي عام، يقف رجل آخر. كلماته تصنع لحظات تشبه تلك التي خطها بلوتارخ.
الأولى
في غرفة إعلامية عالمية، قبل عقد من اليوم تقريباً، جلس ذلك الرجل. صمت قصير سبق الكلمة. ثم قال:
«السعودية ليست دولة نفط».
ثمانون عاماً بُنيت عليها صورة بلاده. كل شيء كان نفطاً. ثم يأتي شاب ليقول: أنتم مخطئون. لم يكن يعلم أن هذه الجرأة بداية الطريق، وأن إعادة تعريف الذات تحتاج شجاعة الاعتراف بأن الماضي كله - بثقله ونفعه - كان مجرد مقدمة.
هنا تتبدى الحقيقة: هذه ليست جرأة سياسية. هذه جرأة وجودية. إعادة تعريف الذات أمام مرآة العالم.
العمق الحقيقي لهذه الأرض يمتد لآلاف السنين في صخورها وصحاريها. النفط كان مجرد فصل عابر في كتاب ضخم - كتاب أعاد هذا الرجل فتحه، ليقرأ العالم منه ما لم يقرأ من قبل.
الثانية
في مجلة عالمية، وجه إليه صحفي مجاملة: «السعودية أصبحت مثل دبي وأمريكا». أي زعيم كان سيهز رأسه موافقاً. لكنه رد:
«نحن لا نحاول أن نكون مثل أحد - نتطور بما لدينا».
يرفض أن يكون نسخة. يقول: نحن نموذج خاص بنا.
في هذه اللحظة، كان يقرر أن الأصالة أغلى من النجاح المستعار. أن الهوية ليست ما نقترضه من الآخرين، بل ما نستخرجه من صخور أرضنا وتاريخنا.
هنا تتبدى الحقيقة: في لحظة رفض المقارنة، صار فوق كل مقارنة.
الثالثة
في حديثه عن مكافحة الفساد، لم يستخدم خطاباً أخلاقياً، ولم يتوعد. نظر إلى الكاميرا وقال:
«لن ننمو 5.6 في المائة ولن تزيد الاستثمارات 50 في المائة لو استمر الفساد».
الفساد ليس مشكلة أخلاقية. هو سبب منع النمو. هو السرطان الذي يقتل الأمل قبل أن يولد.
هنا تتبدى الحقيقة: بناء الأوطان لا يحتاج خطباً بليغة، بل أرقاماً صادقة، وإرادة تقتلع الفساد من جذوره، ولو كان الثمن باهظاً.
الرابعة
في قصر اليمامة، كان بوتين في الرياض. قال المترجم: «الاتحاد السوفيتي أول من اعترف باستقلال السعودية».
هنا، قاطع. بهدوء، التفت إلى بوتين:
«فقط، فخامتكم... أصحح للمترجم: السعودية لم تستقل - أُعيد توحيدها. لم تكن مستعمرة في التاريخ».
لماذا؟ لأن الكلمة ليست كلمة. «استقلال» تعني احتلالاً ثم تحرراً. «توحيد» تعني أنك كنت دائماً سيادياً.
في حضرة زعيم روسيا بوتين، الرجل القوي - كان أقوى منه بلحظة. ليس لأنه تحداه، بل لأنه يعلم أن التاريخ في وعي القائد ليس مجرد سردٍ لما مضى، بل هو حجر الزاوية في شرعية الحاضر.
إلى الأمير نفسه
أيها القائد،
إن كنت تقرأ هذه الكلمات يوماً، فاعلم أن شعبك يراك بعيون لا ترى المدن وحدها.
يرى فيك من يعيد كرامته.
يرى فيك من يذكره أنه لم يكن مستعمرة أبداً.
يرى فيك من يرفض أن يكون نسخة.
يرى فيك من يحوِّل الأحلام إلى أرقام.
يرى فيك من قال قبل عقد من اليوم ما بدأ يتحقق الآن.
ذكرى البيعة اليوم ليست ولاءً لرجل - بل شراكة في صناعة الزمن.
** **
- فهد علي العنزي