د. طلال الحربي
حين أدّى صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان ولي العهد اليمين كولي للعهد في ذلك اليوم التاريخي ليلة السابع والعشرين من شهر رمضان عام ألف وأربعمئة وثمانية وثلاثين للهجرة، لم يكن المشهد مجرد حفل تقليدي تتناقله أخبار الصفحات الأولى، بل كان لحظة فارقة في مسيرة أمة. لحظة التقت فيها إرادة قائد شاب بحجم تطلعات وطن عريق يمتد تاريخه مئات السنين، ويحمل على ترابه أثقل الأمانات وأشرف الرسالات.
كانت المهمة بأي بمقياس شاقّةً: إعادة هيكلة اقتصاد نفطي متشعّب الجذور، وإعادة تشكيل منظومة اجتماعية راسخة، وإدارة ملفات إقليمية مشتعلة، وبناء مكانة دولية تليق بدولة تحتل مكانًا إستراتيجيًا في خريطة العالم. غير أن سموه لم يتعامل مع هذا التحدي بمنطق المتردد، بل اشتبك معه بروح الباني الذي يعرف أن الزمن ليس في صفّ من يتأخر.
على الصعيد الداخلي، جاءت رؤية المملكة 2030 بمثابة الخارطة التي رسمت ملامح مستقبل مختلف. لم تكن مجرد وثيقة اقتصادية تُحصي الأهداف وتُوزّع الأرقام، بل كانت عقدًا اجتماعيًا جديدًا بين الدولة ومواطنيها، يقوم على مبدأ واحد بسيط: أن هذا الوطن قادر على أن يحيا برأس ماله البشري قبل ثروته النفطية. وفي سنوات قليلة، تحوّل هذا العقد من وعود طموحة إلى مشاريع تشقّ الأرض وأبراج تعلو في السماء ومشاهد ترفيهية وثقافية كانت حتى وقت قريب من المحظورات.
فُتحت دور الثقافة ودارت عجلة الصناعة، وارتفع صوت الفنون والإبداع في فضاء عام كان يصمت على مضض. أُتيح للمرأة السعودية أن تقود سيارتها، وأن تمشي في فضاء الوطن بملء إرادتها واختيارها. تأسّست أحياء ترفيهية ومناطق سياحية فتحت الباب أمام العالم ليكتشف وجه المملكة الحقيقي، وجه الضيافة والجمال والعمق الحضاري. وتسارع تنويع مصادر الدخل حتى باتت القطاعات غير النفطية تُسهم بنصيب غير مسبوق في الناتج المحلي.
ولم تكن مكافحة الفساد بمعزل عن هذا المسار، فقد جاءت خطواتها الجريئة لتُعلن بصوت لا يقبل اللبس أن المملكة في مرحلة جديدة لا مكان فيها لمن يعتقد أن المناصب دروع واقية أو أن النفوذ حصانة دائمة. كان ذلك رسالة بالغة الأثر في نفوس المواطنين، يوم رأوا أن القانون يسري على الجميع دون استثناء ولا محاباة.
أما على الصعيد الإقليمي، فقد تحرّك سموّه بحكمة الدولة الكبرى التي تعرف أين مصالحها وكيف تحمي أمنها دون أن تتخلى عن ثقلها الأخلاقي.
وعلى الصعيد الدولي، بدت المملكة العربية السعودية في ظل قيادة الملك سلمان وروية ولي العهد -حفظهما الله- كيانًا من نوع مختلف. اللقاءات التي جمعت سموّه بقادة العالم من واشنطن إلى بكين ومن موسكو إلى برلين لم تكن مجاملات بروتوكولية، بل كانت تأسيسًا لعلاقات شراكة إستراتيجية تقوم على الندية والاحترام المتبادل. وحين احتضنت المملكة قمة العشرين وقمة مبادرة مستقبل الاستثمار وغيرها من المحافل الكبرى، لم يكن ذلك ترفًا دبلوماسيًا، بل تعبيرًا عن دور مركزي في صياغة مستقبل الاقتصاد العالمي.
اليوم تلك الصورة واقع متحرك بإيقاع لا يتوقف. المملكة التي يراها الزائر اليوم تختلف جوهريًا عن تلك التي عرفها قبل عقد من الزمن، وهذا التحول ليس مصادفة ولا موجة عابرة، بل هو ثمرة رؤية واضحة المعالم وقيادة صادقة في التزامها.يشعر المواطن السعودي اليوم بالفخر بما يراه بعينيه من إنجازات ملموسة، والثقة بأن القادم أفضل. وهذا الشعور ليس وليد الشعارات، بل هو وليد المصانع والتكنولوجيا وورش البناء وملاعب الشباب ومسارح الفن وأروقة الاستثمار وطوابير السياح القادمين من أصقاع الأرض.
في هذه الذكرى، لا يسع المنصف إلا أن يُقرّ بأن المملكة العربية السعودية تعيش مرحلة تاريخية استثنائية. وأن الأمير محمد بن سلمان لم يكتفِ بحمل أمانة القيادة، بل حوّلها إلى رسالة يعيشها يومًا بيوم: رسالة وطن يستحق مكانًا في المقدمة، وشعب يستحق مستقبلًا بحجم تاريخه وطموحه.
وكم يليق في هذا المقام أن نردد بصدق: ذكرى مباركة لولاية أثبتت أن الكلمات حين تصدر من إرادة صادقة تتحول إلى جسور وطرق ومدن وأحلام تمشي على أرض الواقع. والسنوات القادمة، بما تحمله من مشاريع وخطط وطموحات، تجعلنا نقول بثقة: إن أفضل ما في المملكة العربية السعودية لم يأتِ بعد.