أبوبكر الموسى
بات من الواضح أن تكرار حلم «النموذج الفنزويلي» يمثل حجر الزاوية في الطموح الاستراتيجي الأمريكي تجاه الملف الإيراني، هذا التوجه الذي يرتكز في جوهره على فكرة إزاحة الشرعية للهياكل القائمة واستبدالها بواقع سياسي جديد..
بدا أن الرئيس ترامب سعى لتأكيده وترسيخه في حديثه خلال المؤتمر الصحفي الأخير مع المستشار الألماني فريدريش ميرز، حين استعرض الرئيس الأمريكي ملامح هذا النموذج بنبرة لا تخلو من الفخر، والعائدات السريعة والمباشرة لهذا المسار الذي يتيح تحقيق نتائج سياسية كبرى بأقل قدر من الكلفة العسكرية التقليدية، مما يوحي بأن الإدارة الحالية ربما ترى في هذه التجربة «كتيب إرشادات» لاستبدال النظام وتجاوز تعقيدات الاستنزاف التقليدي.
وفي ذات المؤتمر، وجه الرئيس ترامب انتقاداً حاداً ومباشراً للموقف البريطاني المتحفظ، في إشارة صريحة إلى تصدع غير مألوف تجاه القرارات الحاسمة بين واشنطن ولندن، ويبدو أن هذا التحفظ لا يشكل حالة بريطانية معزولة، بقدر ما يمثل انعكاساً لموقف أوروبي ودولي أوسع، تتجلى ملامحه في تصريحات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الرافضة علناً العملية العسكرية على إيران، وهي ذات الرؤية التي حملتها مواقف قوى دولية وغربية أخرى، مما يشير إلى وجود فجوة حقيقية في المواقف تجاه هذا الملف، فهل «شغفت» طهران وأصفهان هذه العواصم حباً؟ بالطبع لا، فالمسألة لا تتعلق حتماً بتبدل في الولاءات، ولا حتى بتباين كبير في تقدير المصالح المشتركة، إنما تكمن في مخاوف استراتيجية أعمق، منها ما هو ظاهر ومنها ماهو مضمر، دفعت هذه القوى لاتخاذ مسافة واضحة من القرار الأمريكي الحالي.
وعند تحليل هذه المخاوف، يبرز الجانب الظاهر في القلق الأوروبي من أن يؤدي الدخول في مواجهة مفتوحة مع إيران إلى تبدل حاد في الأولويات العسكرية للولايات المتحدة، مما يترك الجبهة الأوكرانية في حالة من الانكشاف أمام الضغوط الروسية المتزايدة، ولا يتوقف الهاجس الأوروبي عند حدود «الانشغال العسكري»، بل يمتد للتوجس من أن تفرض تبعات هذا التحول الاستراتيجي واقعاً يضطر القارة العجوز وكييف للقبول بشروط واشنطن في أي تسوية مستقبلية مع موسكو، كتحصيل حاصل لتبدل خارطة الموارد الأمريكية بعيداً عن القارة.
أما الجانب المضمر والأكثر عمقاً ربما، فيتجسد في مخاوف هذه القوى من نجاح استنساخ «النموذج الفنزويلي» وما يفرضه من واقع سياسي متمرد على التوازنات التقليدية، وتهديده لنظام دولي قائم على «القواعد» والخرائط والاتفاقيات المبرمة، فبريطانيا التي لا تزال ترى نفسها حارس البوابة لهذا النظام، تسعى من خلال موقفها إلى حماية «التقاليد الدولية» التي ترى في بقاء الدولة ركيزة أساسية، ومنع الانزلاق نحو حقبة النماذج العابرة للاتفاقيات التي تطيح باستقرار الدول وتترك المستقبل للمجهول.
وأمام عجز النظام الدولي عن منع اندفاعة ترامب، في ظل تقاطع المصالح بتلبية المطالب الإسرائيلية بضربة حاسمة، وحلم استنساخ «النموذج الفنزويلي»، فقد تلجأ العواصم العالمية لاستراتيجية «رفع الكلفة» لفرملة هذا المسار وجعله خياراً باهظ الثمن عبر ثلاثة مسارات، أولها سياسي، يتمثل في تصدير أزمة «ثقة» مع الحلفاء الذين قدمت واشنطن عليهم رغبات الجزء على مصالح الكل، مما يهدد ديمومة التحالفات التاريخية ويدفع القوى الإقليمية لإعادة تموضعها الاستراتيجي، وثانيها أمني وجودي، يرتكز على ممارسة «التعطيل الناعم» والمناورة، لدفع واشنطن نحو تحمل تبعات الفراغ الأمني الذي تبدت ملامحه، والاضطرار لنشر قوات برية لاحتواء التداعيات الميدانية، ومنع تشكل بؤر إرهابية جديدة تهدد الاستقرار والأمن العالمي، وهو ما يمثل بحد ذاته اعترافاً ضمنياً بفشل «النماذج الجاهزة» وتحويل التواجد الميداني إلى «عبرة استراتيجية» وقيد يمنع الأحادية، أما الثالث فمسار اقتصادي، يضع الإدارة الأمريكية في مواجهة مباشرة مع الأسواق والشركات الكبرى المتضررة من كلفة التأمين وانقطاع سلاسل الإمداد، وارتفاع أسعار الطاقة مما يحول العملية العسكرية من «إنجاز سياسي» متخيل إلى «عبء اقتصادي» يهدد النمو الداخلي، وبذلك، تكتمل حلقة الضغوط التي تجعل من التمسك بـ «النموذج الفنزويلي» مغامرة غير محسوبة العواقب على كافة الأصعدة.
وفي ذات السياق، لم تكن واشنطن غافلة عن هذه المخاوف الدولية، فبدأت في تمرير سردية إعلامية وقانونية تهدف إلى مواءمة تحركاتها مع مقتضيات النظام الدولي، للتأكيد على أن تحركاتها العسكرية تظل محكومة بضوابط القانون الدولي ولا تستهدف القفز على ثوابته، وبحسب قراءة تحليلية نشرها مركز تحليل السياسات الأوروبية «CEPA»، فإن الإدارة الأمريكية تستند إلى تفسيرات موسعة للمادة «51» من ميثاق الأمم المتحدة، لتصوير «النموذج الفنزويلي» كممارسة لحق «الدفاع الاستباقي عن النفس» وحماية الملاحة العالمية، وليس كخروج عن الأطر القانونية، إلا أن هذا التوظيف لـ «السيولة القانونية» هو تحديداً ما يثير ريبة الدوائر التقليدية في لندن وباريس، التي ترى فيه محاولة لشرعنة «الهدم البنيوي» لعصب الدولة تحت غطاء قانوني مرن، مما قد يمهد الطريق لجعل «النموذج الفنزويلي» خياراً دولياً متاحاً، وبذلك، يتحول الخلاف من مجرد تباين في وجهات النظر السياسية إلى صراع حول «تفسير النص الدولي»، حيث تسعى واشنطن لتقديم تحركاتها كإجراءات متوافقة مع النظام القائم، بينما يتمسك الباقون بضرورة الحفاظ على «هيكل الدولة» كخط أحمر لا يمكن تجاوزه تحت أي مبررات قانونية مستحدثة.