د. عبدالله علي بانخر
بعيداً عن ضجيج التحليلات السياسية، وبمعزل عن مشاعر «شفاء الصدور» التي قد تختلج في القلوب أو الشعوب المستضعفة التي عانت طويلاً من الأزمات، ثمة زاوية أخرى للنظر إلى طبول الحرب التي تقرع في منطقتنا؛ زاوية ترى في هذه الحرب وما يحيط بها من تداعيات «جريمة ضد الإنسانية» بكل ما تحمله الكلمة من ثقل أخلاقي، بل هي نكوصٌ يعيدنا إلى المربع الأول للوجود البشري.
المثقف المواطن:
«بوصلة الأمان» في وجه المؤدلج
وفي هذا الأتون المشتعل، يبرز الدور الجوهري لـ «المثقف الإنسان»؛ ذلك الذي يترفع عن «الأدلوجة» الضيقة التي تعمي البصر والبصيرة. إننا اليوم في أمسّ الحاجة إلى المثقف الذي لا يقتات على الصراعات، بل يسعى لكبح جماحها، مدركاً أن الحرب هي الهزيمة الكبرى للعقل البشري.المثقف الذي نعنيه هو «المثقف المواطن»؛ الذي يجمع بين الرؤية الإنسانية الشاملة والغيرة الصادقة على أرضه. هو الذي يدرك الفرق الشاسع بينه وبين «المثقف المؤجر» الذي قد يبيع الأوطان في سوق الشعارات والأجندات الخارجية. هذا المثقف هو الذي يضع استقرار مجتمعه وحقن الدماء فوق كل اعتبار، مؤمناً بأن حماية الأوطان تبدأ من حماية «قيمة الإنسان».
الوعي الجمعي: في متابعة «العنف»
قد يرى البعض في نذر الصدام نوعاً من العدالة المتأخرة، لكن الحقيقة الفلسفية تقول إن «العنف لا يغسل العنف». إن استحضار مأساة الصراع البشري الأول هو دعوة للتفكير في مصير الإنسان؛ ذلك الكائن الذي يبدو أنه لم يتعلم من دروس الماضي شيئاً، بينما النجاة الحقيقية تكمن في الحكمة التي تحفظ للأرض سيادتها وللإنسان كرامته بعيداً عن صراعات القوى.
عهد سلمان:
النموذج السعودي في صناعة الحياة
وفي خضم هذه الأمواج المتلاطمة التي تمزق المنطقة، تبرز المملكة العربية السعودية كواحة استقرار ونموذج فريد لتحقيق معادلة «الإنسان والأوطان». إن ما نلمسه من أمن وأمان في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز -حفظه الله- ليس مجرد حالة استقرار عابرة، بل هو ثمرة «رؤية حكيمة» اختارت أن تبني الإنسان بدلاً من هدم الأوطان. لقد نجحت القيادة السعودية في تحويل الحكمة إلى واقع معيش، حيث يمثل هذا الاستقرار «صناعة للحياة» تتيح للمبدع أن يبتكر وللوطن أن يزدهر، مما جعل المملكة نموذجاً يُحتذى في تغليب لغة التنمية والاتزان على ضجيج الحروب ومنزلقات الفوضى.
تجسير الفجوات:
نماذج تطبيقية للحكمة والسيادة
ولم تكتفِ الحكمة السعودية بالإطار النظري، بل قدمت للعالم نماذج عملية برهنت على أن استقرار الأوطان هو مفتاح حماية الإنسان؛ ويتجلى ذلك بوضوح في الدور الإغاثي والتنموي الاستثنائي الذي تضطلع به المملكة عبر «مركز الملك سلمان للإغاثة»، والذي غدا بلسماً لمداواة جراح الإنسان في اليمن، وسوريا، والعراق، والسودان، والصومال ،وكذلك الخليج العربي وحتي الشعب الإيراني مؤخرًا. إن هذه الجهود، مضافةً إليها المبادرات الدبلوماسية المستمرة لجمع الفرقاء والبحث عن مخارج سياسية تُحقن فيها الدماء وتُصان بها مقدرات الشعوب في هذه الدول، قدمت للعالم درساً بليغاً في كيفية تحويل «ثقافة السلام» من شعارات براقة إلى برامج عمل ملموسة تحفظ للإنسان كرامته وللدول كيانها من الانهيار.
في الحكمة الخلاص لا مناص
إن تداعيات الحرب في عصرنا الراهن هي طعنة في خاصرة القيم الكونية، ونحن بانتظار لحظة وعي تعيد للإنسان رشده. إن صرخة المثقف الإنسان اليوم هي الحصن الأخير للدفاع عن الأوطان، والإصرار على أن دماء بني البشر محرمة بقدسية أصلها الواحد، وأن «صوت العقل» بداخلنا لا يزال يملك سلاح الحوار الذي هو أقوى من كل المدافع، شرط أن يجد هذا الحوار مثقفاً لا يخون وأوطاناً لا تُباع.