فاطمة آل مبارك
ومن بين العبارات التي صعدت من الوجدان الخليجي إلى فضاء الخطاب العام عبارة «هذا فريجي.. وكل بيت خليجي”. رددتها الحناجر مؤخراً كلحن يفيض بالانتماء، وسكنت القلوب كنشيدٍ لا يحتاج إلى ترجمة هذه العبارة البسيطة في مبناها، العميقة في معناها، تختصر قروناً من التعايش إنها تجسيد حيّ لتلك الرابطة التي تتجاوز الجغرافيا لتستقر في وجدان كل مواطن خليجي، مؤكدةً أن الجوار ليس مجرد حدود، بل هو مصير واحد في مركب واحد.
قبل أن تتحول هذه الروابط إلى أطرٍ سياسية معاصرة، كانت حياة الخليج نفسها مدرسةً للوحدة فمدنه الساحلية، من السعودية والكويت إلى البحرين وقطر والإمارات وصولاً إلى مسقط، تشاركت تاريخاً من البحر والتجارة والتواصل الإنساني ،تشاركت قرونًا من الاقتصاد البحري رحلات الغوص على اللؤلؤ، وقوافل التجارة التي ربطت موانئ الخليج بالهند وشرق أفريقيا، خلقت شبكة علاقات إنسانية واقتصادية عابرة للحدود الحديثة في تلك الرحلات لم يكن البحر فاصلاً بين الشعوب، بل جسراً يحمل البضائع كما يحمل القصص والعادات والأنساب، حتى تشابكت العوائل وتداخلت المصالح، وصار الخليج فضاءً اجتماعياً واحدًا تتردد فيه اللهجة ذاتها وتستقر فيه القيم ذاتها، من الكرم والشهامة إلى احترام الكبير والصغير.
لم يكن غريبًا بعد ذلك أن يجد هذا الإرث الاجتماعي طريقه إلى التعبير المؤسسي حين اجتمعت الإرادات السياسية لقادة الخليج عام 1981م لتأسيس مجلس التعاون لدول الخليج العربية ،هذا القرار كان ترجمة سياسية لذاكرة اجتماعية سبقت المؤسسات بقرون. فقد أدرك القادة أن ما يجمع شعوب الخليج من تاريخ ومصالح وثقافة يتطلب صيغة تعاونية تحمي الاستقرار وتعزز التنمية في منطقة تتقاطع عندها طرق التجارة وموازين القوى.
ومنذ ذلك الحين، أصبح المجلس مظلة تعكس روح النسيج الاجتماعي الخليجي إذ تحولت فكرة الجوار التاريخي إلى سياسات تنسيق اقتصادي، وتعاون أمني، ومشاريع تنموية مشتركة، مؤكدةً أن قوة الدول الخليجية تكمن في قدرتها على التكاتف والعمل بوصفها منظومة متكاملة، متكئة على عمق اجتماعي وثقافي واحد..
كلما واجهت المنطقة منعطفًا حرجًا، انبعث مفهوم اللحمة الخليجية كحقيقة تتجاوز الأطر الرسمية والتحالفات الورقية، نسيج ثقافي واجتماعي غزلته قرون من رحلات الغوص، وقوافل التجارة، ومجالس السمر، وصاغته لغة واحدة، وعادات متجذرة، وذاكرة تاريخية لا تقبل التجزئة هذا التماسك هو تراكم لوعي شعبي يرى في الآخر مرآة لذاته، وإدراك يقيني بأن قوة أي بيت في هذا النسيج هي قوة للبقية، وأن انطفاء سراج في أقصى الحي يترك ظلًا في قلوب الجميع.
وفي الوجدان الخليجي، يمثّل البيت الخليجي نموذجًا مصغرا للدولة والمجتمع، مساحةً تذوب فيها المسافات بين الأبواب لتتصل القلوب ففي الذاكرة المتوارثه، يسود الترابط ،الأمن والطمأنينة الجماعية، النابعة من شعور كل جار بأن جدار جاره سنده، وأن فرحه غاية، وضيقُه مصير، الخليجي يتنقل بين عواصمه وكأنه يعبر غرفاً في بيت واحد تربطه المصاهرة التي شبكت العوائل عبر الحدود حتى غدا الدم واحداً، وزمالة الدراسة والعمل التي جعلت الطموحات مشتركة. وهذا بالضبط ما نراه اليوم في العاطفة الشعبية التي تفيض عبر الفضاءات الرقمية والسياسية امتداد لروح النسيج الاجتماعي الخليجي التي تطورت لتواجه تحديات العصر بقلب واحد..
إن الرهان الحقيقي على استدامة هذه اللحمة يقع اليوم على عاتق الشباب الخليجي الجيل الذي وُلد في عصر الفضاءات المفتوحة، لكنه اختار أن يحمل إرثه في قلبه هؤلاء الشباب يحولون وحدة المصير إلى وحدة طموح، مستفيدين من التقارب الثقافي لبناء اقتصاد معرفي مشترك ورؤى مستقبلية تتجاوز الحدود الجغرافية ،نجاح أي مبادرة خليجية في مجالات الفضاء أو الذكاء الاصطناعي أو الاستدامة لم يعد إنجازًا وطنياً بل مصدر فخر خليجي مشترك ،هؤلاء الشباب هم صمام الأمان، وحراس الوعي الذين يثبتون أن المجتمع الخليجي قادر على التجدد والقيادة مع الحفاظ على بصمته وهويته الفريدة.
ومن زاوية أعمق، لا تعني اللحمة الخليجية نفي الاختلاف أو صهر الشخصيات الوطنية في قالب واحد، بل هي الإدارة الواعية لهذا التباين فالنضج الحقيقي يكمن في إحاطة التعددية الطبيعية بسياج التآزر الخليجي كحصن للهوية فالتمسك بالجذور ليس عائقًا أمام الحداثة، بل منصة للانطلاق نحوها دون فقدان البوصلة
صفوة القول: إن ازدهار الرياض نجاح لقطر، واستقرار المنامة طمأنينة للكويت، وتقدم الإمارات فخر لعُمان، نحن أمام كيان حي يتأثر كجسد واحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.”وفي نهاية المطاف، حين تشتد العواصف وتغبر الآفاق، تنجلي الحقيقة الساطعة التي غرسها الأجداد ويرعاها الأحفاد بوعيهم وإخلاصهم الخليج بيت واحد.. نبضه واحد.. ومستقبله واحد.