سهوب بغدادي
فيما تتزايد مدن العالم توسعًا في العمران ونشهد كثافة في عدد السكان في ظل تنامي ثقافة الاستهلاك، أصبحت النفايات وإدارتها أحد أكبر التحديات البيئية التي تواجه العالم ككل، إذ تشير التقارير الدولية إلى أنّ البشر ينتجون ما يوازي 2.01 مليار طن من النفايات بشكل سنوي، وهو رقم قابل للارتفاع مع استمرار التوسع الحضري وارتفاع معدلات الاستهلاك، إنّ الأمر الذي يعد مدعاةً للقلق أنّ نحو ثلث هذه النفايات لا يُدار بطريقة آمنة بيئيًا، مما يؤدي إلى تلوث التربة والمياه والهواء.
بلا ريب، إنّ المعضلة لا تقتصر فقط على التداعيات البيئية، بل تمتد إلى الحيز الاقتصادي، إذ تنفق الحكومات حول العالم مئات المليارات من الدولارات سنويًا على جمع النفايات، ونقلها، وتدويرها، ومعالجتها أو التخلص منها، مما يشكل عبئًا لا يستهان به على ميزانيات الدول، ومن بين أكثر النفايات تكلفة وصعوبة في إعادة التدوير، البلاستيك متعدد الطبقات كالذي يستخدم في التغليف، والنفايات الإلكترونية التي تحتوي على معادن من الأجهزة، إضافة إلى النفايات الطبية والمواد المختلطة كالإبر والمعدات والأدوات المعدنية التي يصعب فصل مكوناتها يدويًا وقد تشكل خطرًا صحيًا على من يعمل في هذا المجال.
وفي السنوات الأخيرة، بدأت تقنيات الذكاء الاصطناعي تطرح حلولًا واعدة لهذه المشكلة، حيث تعمل روبوتات إعادة التدوير عبر كاميرات عالية الدقة، في مراقبة النفايات داخل مصانع الفرز، ثم تقوم خوارزميات الذكاء الاصطناعي بتحليل شكل المادة ولونها وتركيبها لتحديد نوعها خلال ثوانٍ وجيزة، بعد ذلك تتحرك ذراع روبوتية لالتقاط القطعة المختارة ووضعها في الحاوية المناسبة بهدف إعادة تدويرها، الجدير بالذكر أنّ دقة هذه الأنظمة تصل إلى نحو 99 % في التعرف على المواد، مما يزيد كفاءة إعادة التدوير ويقلل الأخطاء والأخطار البشرية، كما أشارت بعض الدراسات إلى أن استخدام الذكاء الاصطناعي في إدارة النفايات من شأنه أن يخفض التكاليف التشغيلية بنحو 13 % ويقلل مسافات نقل النفايات بنسبة قد تصل إلى 36 %.
بهذا الشكل، لم تعد إدارة النفايات مجرد مهمة خدمية أو بدائية، بل أصبحت مجالًا متقدمًا يعتمد على أدوات الابتكار والتقنيات والحلول الذكية، لبناء مدن أكثر نظافة واستدامة، حيث تعمل الآلات والذكاء الاصطناعي مع الإنسان لحماية البيئة وتقليل الهدر في موارد الكوكب، وبناءً على ما تم طرحه تستطيع الجهات المعنية والمختصة كالمركز الوطني لإدارة النفايات (موان) أن توظف هذه الحلول للارتقاء في هذا النسق، فضلًا عن تفعيل مجموعة من التقنيات والإبتكارات الأخرى كالحاويات الذكية التي تساعد في عملية إعادة التدوير، والأهم من ذلك كله، أن يبث الوعي بحجم المخلفات والنفايات الفردية ومدى تأثيرها على المدى الطويل على الصعيدين البيئي والاقتصادي، لكي يكون الفرد شريكًا في العملية وعنصرًا فعالًا يعتمد عليه.