د. عيسى محمد العميري
على صعيد المشهد الثقافي والترفيهي في المملكة العربية السعودية، هناك أسماء برزت وصنعت تاريخاً فنياً وشكلت فرقاً حقيقياً، وأسهمت في إعادة تعريف العلاقة بين الفن والمجتمع، ومن بين هذه الأسماء يلمع اسم «عمو زكي» بوصفه أحد أبرز روّاد الأعمال الفنية والترفيهية في المملكة العربية السعودية، وشخصية استطاعت أن تجمع بين الكلمة الهادفة، والطرح الاجتماعي العميق، والترفيه الذكي القريب من الناس.
وإذا ما استعرضنا مسيرة الأستاذ الفنان الكبير «عمو زكي» فإن تلك المسيرة تنبع من إيمان راسخ بأن الفن ليس مجرد وسيلة للضحك أو الترفيه العابر، بل أداة مهمة للتأثير والتغيير للأفضل، ومنصة لطرح القضايا الاجتماعية بأسلوب مبسط يصل إلى مختلف شرائح المجتمع.
ومنذ خطواته الأولى، كان حريصاً على أن يكون المحتوى الذي يقدمه مرتبطاً بواقع الناس، نابعاً من تفاصيل حياتهم اليومية، ومعبرًا عن همومهم وطموحاتهم، دون افتعال أو مبالغة. وهذا التوجه جعل أعماله تحظى بقبول واسع، ورسّخ اسمه تدريجياً كأحد صناع المحتوى الفني الذين يمتلكون رؤية واضحة، تجمع بين الحس الإبداعي والمسؤولية الاجتماعية.
لقد تميّز «عمو زكي» بقدرته على المزج بين الفائدة والمتعة، فكانت برامجه ومبادراته الفنية تحمل في طياتها رسائل اجتماعية مهمة، تُقدَّم بأسلوب خفيف الظل، بعيد عن الوعظ المباشر. وقد تناول في أعماله مفارقات اجتماعية متعدّدة، مسلطاً الضوء على بعض السلوكيات السلبية المنتشرة في المجتمع، لكن ما يميّز طرحه أنه لم يكتفِ بالتشخيص، بل حرص دائماً على تقديم حلول مختصرة، عملية، وذات أثر إيجابي. وهذا الأسلوب جعل الجمهور يشعر بأن المحتوى يُخاطبه لا يُهاجمه، ويُرشده لا يُدينه، وهو ما أكسبه احترام المتابعين وثقتهم. وتوجت تلك النجاحات خلال شهر رمضان المبارك، حيث برز «عمو زكي» بشكل مختلف، حيث يحرص على تقديم محتوى يتناسب مع روح الشهر الكريم، جامعاً بين الترفيه والقيم الرمضانية الأصيلة.
وقد أسهمت أعماله الرمضانية في تعزيز العادات الخليجية الطيبة، مثل روح التكافل، وصلة الرحم، واحترام الكبير، والبساطة التي تميّز المجتمعات الخليجية في هذا الشهر الفضيل. ومن خلال هذه الأعمال، نجح في إبراز صورة المجتمع السعودي والخليجي الأصيل، القائم على القيم، دون أن يفقد حسه الإبداعي أو طابعه الترفيهي. وشكّل مهرجان جدة التاريخي محطة مهمة في مسيرة «عمو زكي»، حيث كان له حضور لافت من خلال برامج وفعاليات ركزت على القضايا الاجتماعية التي يلامسها المواطن السعودي في حياته اليومية.
وقد استثمر خصوصية المكان وعمقه التاريخي لتقديم محتوى يعكس هوية المجتمع، ويعيد ربط الجيل الجديد بقصصه وقيمه وتاريخه. فهذا الحضور لم يكن ترفيهياً فقط، بل حمل بعداً ثقافياً وحضارياً، أسهم في إثراء تجربة الزوار، وجعل من الفعالية مساحة للتأمل والحوار المجتمعي. وفي هذا الصدد فإنه لا يمكن الحديث عن مسيرة «عمو زكي» دون التوقف عند موسم الرياض، حيث كان من الأسماء التي أسهمت بفاعلية في إنجاح هذا الحدث الوطني الضخم. فقد شارك في إطلاق وتنظيم عدد من الفعاليات والحفلات الغنائية في مناطق متعددة من المملكة، مساهماً في تنويع المشهد الترفيهي، ودعم الحراك الفني المحلي. كما كان له دور بارز في تكريم أساطير الفن، تقديراً لمسيرتهم وتأثيرهم، في خطوة تعكس وعيه بأهمية حفظ الذاكرة الفنية، وربط الماضي بالحاضر، والاعتراف بجهود من أسهموا في صناعة الفن السعودي والعربي.
إن مسيرة «عمو زكي» تمثل نموذجاً لرائد أعمال فني استطاع أن يواكب التحولات الكبرى التي تشهدها المملكة، وأن يكون جزءاً فاعلاً من نهضتها الثقافية والترفيهية. فقدّم فناً مسؤولاً، وطرح قضايا مجتمعية بوعي، وأسهم في ترسيخ الترفيه الهادف كجزء أصيل من المشهد السعودي الحديث.
ومع استمرار هذه المسيرة، يظل «عمو زكي» مثالاً على أن الفن، حين يُقدَّم بصدق، يمكن أن يكون جسراً بين الترفيه والقيم، وبين المتعة والرسالة، وبين الحاضر والمستقبل. والله الموفق.
***
- كاتب كويتي