د. عبدالحق عزوزي
كان عندي شعور دائم بأن المفكرين الغربيين وبالأخص الأوروبيون منهم لهم معلومات غير متكاملة عن طبيعة النظام في إيران وعن سياساته الخارجية الحقيقية؛ عندما تتواصل معهم تجدهم أصحاب أفكار مسبقة أو جاهزة؛ وإذا سألتهم مثلا عن تشخيص حقيقي لطبيعة النظام في إيران وعن المؤسسات الدستورية النافذة ستجد منهم أجوبة غير مقنعة... وإذا سألتهم عن أسباب تواجد إنسهم وجنهم في اليمن والعراق وسوريا ولبنان فسيخوضون معك في تفسيرات جيوسياسية عقيمة... وإذا تفضلت وقلت لهم بأن التقية عندهم تسمح لهم بفعل كل شيء وأن مسألة السيادة الممنوحة من القانون الدولي لكل دولة منعدمة في إيديولوجيتهم ابتسموا لك وغيروا الموضوع... هاته هي الحقيقة؛ ولكن بعد بداية الحرب الحالية مع إيران، بدأت شاشات التلفزة ووسائل الإعلام عندهم تعج بالتحاليل، ومع ذلك فإنهم في بعض الأحيان يأتون بمختصين لهم نقص في المعلومة التي تسمح بفهم ما يجري...
وأنا أقول لهم بأن النظام في إيران قائم على الشخصنة السلطوية وأعني بذلك ولي الفقيه الذي يعلو بحسب معتقداتهم وما يعلى عليه، والذي وصفته المادة 107 من الدستور الإيراني بأنه «المرجع المعظم والقائد الكبير للثورة الإسلامية العالمية، ومؤسس جمهورية إيران الإسلامية، من أسمته سماحة آية الله العظمى الإمام الخميني الذي اعترفت بمرجعيته وقيادته» فالسلطات الثلاث التنفيذية والتشريعية والقضائية تمارس صلاحياتها بإشراف ولي الأمر المطلق وإمام الأئمة (المادة 57)... فمهمته مهمة مركزية في نظام الحكم الإيراني، وهو المتفرد بالمرجعية الدينية لكل الشيعة في العالم وفقاً لدستورهم، دون اكتراث للحدود الجغرافية أو السيادة الوطنية. ولحماية هذا النوع من التواجد السلطوي في دواليب الدولة، فإن للقائد ممثلين يعينهم يبلغ عددهم نحو ألفي ممثل في كل مؤسسات الدولة وأجهزتها وفي الوزارات والسفارات والمراكز الثقافية، كي تتمكن أسس الثورة من البقاء انطلاقا من «ممثلي الإمام». وهاته السلطات والصلاحيات أتاحت للقائد بإنشاء «دولة داخل دولة» وما يعنيه ذلك من سريان نظام وقواعد غير مكتوبة وأخرى مكتوبة تكون فوق القانون والصلاحيات المشروعة المتعارف عليها، وبلباس ديني ثوري مطلق. ولا غرو أن ترتفع أصوات حتى من داخل فقهاء الشيعة الذين قيدوا الفقيه العادل بالولاية الخاصة وليس بالولاية العامة المطلقة، لأن ذلك في (نظرهم) ستعطيه تسوية مع مقام «الأئمة المعصومين» وهذا ما لا يمكن تأييده بعقل أو دين حسب رأيهم. ولا يجب أن ننسى أن هاته الصلاحيات المطلقة تتعدى بطابعها الأسطوري والسلطوي ما كان يتهم به الخميني نفسه الشاه محمد رضا بهلوي على أنه صاحب نظام سلطوي مستبد وأبوي.
ثم إن نظام الثورة قائم على مؤسسات دستورية نافذة موضوعة مباشرة تحت سلطة الولي الفقيه، منها:
- مجلس صيانة الدستور، والمجلس له صلاحيات حساسة بما فيها الإشراف على انتخابات مجلس خبراء القيادة ورئيس الجمهورية وأعضاء مجلس الشورى الإسلامي وعلى الاستفتاء العام؛ - مجلس تشخيص مصلحة النظام؛ - مجلس الخبراء؛ - مجلس الأمن القومي الأعلى؛ - مجلس إعادة النظر في الدستور؛ - لجنة الثورة الثقافية التي تعنى بخلق أجيال جديدة تتبنى قيم الثورة وتكون مصدر قوة للدولة. ثم لا يجب أن ننسى «الحرس الثوري» المنبثق من «اللجان الثورية» وهو الجهاز العسكري الموازي للجيش والذي يخضع خضوعا مطلقا لإيديولوجية الثورة والتوجيهات العليا للدفاع عن خط القائد داخل إيران وخارجها والدفاع عن المستضعفين في الأرض أينما كانوا عبر عملية تصدير الثورة التي تتيح كل شيء بما فيها خلق الفتنة وزعزعة أركان الاستقرار للدول والشعوب.
فالحرس الثوري إضافة إلى الباسيج وأنصار حزب الله كانت هي ركائز النظام، وهي المتشبعة بدرجة كبيرة من الالتزام الإيديولوجي، والمدججة بقوات بحرية وبرية وجوية وترسانة عسكرية من الصواريخ والدبابات والطائرات المقاتلة والغواصات.
إذا فهمنا من خلال هاته الإطلالة السريعة نوعية النظام القائم في إيران، فهمنا كل شيء: لعب إيران على الوتر الطائفي كان دائما مسألة وجود إيديولوجي لإيديولوجية ولاية الفقيه؛ كما أن تصدير مشروع الثورة الإيرانية كان دائما من خلال استعمال أدوات مذهبية باستغلال وتجييش طائفي لبعض الشيعة العرب وغيرهم في المنطقة العربية لنشر مبادئ ومرتكزات الثورة عندهم، كل ذلك لتعزيز المصالح القومية الإيرانية، والتمركز داخل النظام الإقليمي وابتزاز الخصوم والأنداد وهو ما كان يؤدي طبعا إلى إضعاف مؤسسات دول بأسرها؛ وعندما يكون الاستقطاب الطائفي مصحوبا بالعسكرة والتجييش فصل صلاة الجنازة على الوحدة الوطنية وديمومة المؤسسات واستقرار مصالح الخاص والعام التي عليها قيام الدول والأمصار.