د.محمد بن عبدالرحمن البشر
أعياد المسلمين أقل أعياد شعوب العالم عددًا ومدة، فهي يومان فقط، يوم عيد الفطر، ويوم عيد الأضحى، ولا يصاحبهما مظاهر غير مألوفة، فهي تقتصر على صلاة العيد، والفرح، والبهجة، وزيارة الأقرباء والأصدقاء، كما يصاحب عيد الأضحى سنة لمن يستطيع، وهي ذبح الأضاحي وتوزيع لحومها، ثلث للدار وثلث للجار وثلث للقريب والمحتاج، إن صح هذا التوزيع، هذي هي القاعدة، لكن ربما أضيفت عادات أخرى وتراكمت في الأعياد، مثل إقامة الولائم، أو زيارة القبور للترحم على الأموات، أو الألعاب النارية في عصرنا الحديث، وغيرها. والأعياد الإسلامية مرتبطة بإتمام فريضة مهمة، مثل الحج، أو الصوم، وكأنها تعبر عن السرور بعد الإنجاز، وهي في حد ذاتها عبادة، وقد كتب الأدباء ما كتبوا عن العيد، كما نظم الشعراء أبياتًا شعرية تحكي أفراحهم أو أحزانهم، وتهانيهم طبقًا لحالهم في ذلك العيد، الذي ربما يتغير في العيد الذي يليه.
وقد يوافق يوم عيد مناسبة أخرى فيجمع بينهما الشاعر في شعره، كما فعل العالم والشاعر أبو الحسن القرشي الغرناطي الأندلسي المكنى بابن فركون وهذه شهرته، وشهرة أسرته وأجداده، وقد قدم جده من المرية إلى غرناطة وتولى قضاء الجماعة، وقد ترقى أبو الحسن بن فركون في عهد يوسف الثالث النصري إلى أن أصبح في ديوان كتابة السلطان، واشتهر بمدحه له، وقد صادف يوم نصر السلطان في إحدى معاركه يوم عيد فكتب ابن فركون:
بشرى بعيدٍ أتى والنصْرُ يَقدُمُهُ
ورائِدُ العزّ يَسْتدعيهِ مَقْدَمُهُ
عيدٌ يعود بما شاءَتْ عُلاكَ فقدْ
سَما بعزّكَ للعلياءِ موسِمُهُ
أما ابن زيدون ذو الوزارتين والسفير والأديب والشاعر الأندلسي المشهور، فقد قال شعرًا يهنئ فيه المعتضد ابن عباد حاكم إشبيلية، ويمدحه، لكنه لم يطل الحديث عن العيد، وأسهب في المديح، يقول:
هَنيئاً لَكَ العيدُ الَّذي بِكَ أَصبَحَت
تَروقُ الضُحى مِنهُ وَتَندى الأَصائِلُ
تَلَقّاكَ بِالبُشرى وَحَيّاكَ بِالمُنى
فَبُشراكَ أَلفٌ بَعدَ عامِكَ قابِلُ
وقد بالغ في قوله فبشراك ألف بعد عامك قابل، وهو يعني أن يعيش المعتضد ألف عام، أي أكثر من عمر نوح عليه السلام الذي بلغ ألف عام إلا خمسين عاماً، وإن كان يتمنى مجاملًا للمعتضد ألف عام، فهو بهذا يظلم نفسه وأهل إشبيلية، فقد كان المعتضد حاكمًا ظالمًا، جبارًا، قاسيًا، وضع في قصره حديقة الجماجم، وهي تشمل جماجم خصومه، علقها على عصي، وابن زيدون نفسه قد قال أبياتًا في المعتضد بعد وصول خبر وفاته إليه، حيث قال:
لَقَد سَرَّنا أَنَّ النَعِيَّ مُوَكَّلٌ
بِطاغِيَةٍ قَد حُمَّ مِنهُ حِمامُ
تَجانَبَ صَوبُ المُزنِ عَن ذَلِكَ الصَدى
وَمَرَّ عَلَيهِ الغَيثُ وَهوَ جَهامُ
ولقد دافع المعتمد بن عباد الذي حكم بعد وفاة أبيه المعتضد عن ابن زيدون الذي نُسب إليه هذان البيتان، وأوضح أنه هو القائل، وأن نسبتهما إلى ابن زيدون من صنع الحاقدين عليه.
ولو اتجهنا إلى المشرق العربي لوجدنا البحتري يهنئ الخليفة المتوكل، وقد سار بموكبه إلى مصلى العيد، ويقول:
العيد أقبل مزهوًا بطلعته
كأنه فارس في حلة رفلا
والمسلمون أشاعوا فيه فرحتهم
كما أشاعوا التحايا فيه والقبلا
فليهنأ الصائم المنهي تعبده
بمقدم العيد إن الصوم قد كملا
والخليفة المتوكل هذا قتله ابنه، بعد خمس سنين من الحكم، وبدأ عصر ضعف الدولة العباسية في عصره.