باسم سلامة القليطي
ها هو شهر رمضان يطوي صفحته بهدوء، بعد أن ملأ أيامنا بالصيام وليالينا بالقيام، وعطّر قلوبنا بتلاوة القرآن وذكر الرحمن. أيامٌ عشنا فيها حالة مختلفة من الصفاء؛ قلوبٌ أقرب إلى الله، ونفوسٌ أكثر هدوءاً، وأرواحٌ وجدت في الطاعة معنى الطمأنينة. في رمضان يتعلم الإنسان أن يعود إلى نفسه، وأن يقف أمام ربه وقفة صدق، يستغفر عن تقصير، ويرجو القبول، ويأمل أن يكون ممن شملتهم الرحمة والعتق من النار. وما إن تنقضي تلك الأيام المباركة حتى يشرق العيد، وكأنه رسالة رقيقة من السماء تقول للمؤمنين: لقد اجتهدتم في الطاعة، فافرحوا بفضل الله وكرمه.
العيد ليس مجرد يوم يمر في التقويم، ولا مناسبة اجتماعية تتكرر كل عام. العيد في حقيقته حالة شعورية عميقة؛ لحظة يلتقي فيها الإيمان بالفرح، والعبادة بالابتسامة. في صباحه تتعالى التكبيرات في المساجد والطرقات، فتوقظ في القلوب معنى الشكر والامتنان. ترى الأطفال بملابسهم الجديدة وعيونهم المليئة بالدهشة، وترى الكبار بوجوه يكسوها الرضا بعد شهرٍ من الصبر والعبادة. لكنه قبل كل شيء عيد للقلوب التي ذاقت حلاوة القرب من الله، فاستحقت أن تفرح بما قدّمت وما ترجوه من قبول.
ومن أجمل ما يفعله العيد أنه يوقظ في الناس معنى القرب بعد طول انشغال. فالحياة بما فيها من مسؤوليات وضغوط قد تُباعد بين القلوب دون أن نشعر، وقد تجعل المسافات بين الأقارب والأصدقاء أطول مما ينبغي. فيأتي العيد كنافذة مفتوحة للعودة؛ زيارة قصيرة قد تعيد دفء علاقة قديمة، وكلمة صادقة قد تذيب جليد جفوة طال صمتها. كم من خصومة انتهت بمصافحة في صباح العيد، وكم من قلبٍ كان ينتظر كلمة بسيطة ليعود الصفاء بينه وبين من يحب. لذلك فالمبادرة بالمعايدة ليست مجرد عادة اجتماعية، بل خُلق جميل يعيد للمشاعر حياتها ويؤكد أن الروابط الإنسانية أقوى من كل ما يعترضها من فتور أو انشغال.
وفي زمنٍ تنوعت فيه وسائل التواصل وتعددت، قد تبدو تهنئة العيد مجرد رسالة قصيرة تُرسل في ثوانٍ عبر الهاتف. لكنها في الحقيقة قد تحمل من المعاني ما يفوق طولها بكثير. فالكلمة الطيبة تملك قدرة عجيبة على إعادة الدفء إلى العلاقات. رسالة صادقة قد تعيد جسورا انقطعت، أو تفتح بابا لودٍ قديم كاد أن يُنسى. بعض الكلمات الصغيرة لا تبدو مهمة في ظاهرها، لكنها في القلوب تساوي الكثير، لأن الإنسان يفرح حين يشعر أنه ما زال حاضرا في ذاكرة من يحب.
ولعل أجمل ما يقدمه العيد للإنسان أنه يذكّره ببساطة الحياة وجمالها. فالسعادة في هذه الأيام لا تأتي من المظاهر وحدها، بل من لحظات إنسانية صادقة: ابتسامة طفل، زيارة قريب، مصافحة صديق، أو دعوة صادقة تخرج من القلب. تلك التفاصيل الصغيرة هي التي تصنع المعنى الحقيقي للعيد، وهي التي تجعل الفرح فيه أعمق من مجرد مناسبة عابرة.
وقد لخّص الأديب الكبير علي الطنطاوي حقيقة العيد بكلمات بليغة حين قال:
«إن العيد في حقيقته عيد القلب، فإن لم تملأ القلوب المسرة، ولم يترعها الرضا، ولم تعمها الفرحة، كان العيد مجرد رقم على التقويم».
فالعيد الحقيقي ليس في الجديد الذي نلبسه، بل في الجديد الذي يولد في قلوبنا؛ قلب امتلأ رضا، ونفس تعلّمت العفو، وروح فرحت بطاعة الله.
نسأل الله في هذا العيد المبارك أن يديم علينا نعمة الأمن والاستقرار، وأن يجمع القلوب على الخير والمحبة، وأن يعيده على أوطاننا وأمتنا العربية والإسلامية والعالم أجمع أعواما عديدة وأزمنة مديدة، ونحن في خيرٍ وسلام ووئام.