د. إبراهيم بن جلال فضلون
يقول الشاعر العربي تأبط شراً (العصر الجاهلي) في استقبال هذه المناسبة الجليلة:
يا عِيدُ عُدتَ بِفَيضِ الأُنسِ نَهَّارَا
فَاملأ بوهجِكَ لَيلَ القَلبِ أَنوارَا
يطلّ علينا عيد الفطر المبارك كجائزة ربانية تليق بعبادة الصيام، فهو ليس مجرد محطة زمنية لتبادل التهاني، بل هو تظاهرة روحية واجتماعية، لأنهُ يوم اللآئسنةِ بالحياة وفرحها، هو يوم هبة ربانية وسُنة نبوية، تجتمع الأمتان العربية والإسلامية كُلها في شهود شعائره وطبيعته الاحتفالية الخارجة ونشاطاته (لعب ولهو) بلا مُحرمات حاملة الوعي الجمعي أكثر من كونه اجتماعياً فقط، بشموليته التكاملية في مبدأه الجميل في التجمع بعيداً عن الفردية والانعزالية، لتكون إعلاناً عن انتصار الإرادة على الشهوة، وعودة الفطرة إلى نقائها الأول، وقد عبر عنه أمير الشعراء أحمد شوقي في ديوانه (هلل في ذراك وكبرا)، منشداً:
العيدُ هلّل في ذُراك وكبـّرا
وسعى إليك يزف تهنئة الورى
وافى بعزك يا عزيز مُهنئا
بـدوام نعـمتـك العبـادَ مُبشِّــرا
لقاء القلوب: حينها تلتقي القلوب على صعيد واحد من المحبة والوفا، لتلتقي قلوبنا على السرور بقدوم العيد، فطرةً وليس تكلفًا أو تظاهرًا، كما في الأعياد الدنيوية التي تتفاوت مشاعر الناس خلالها، وأعياد الأمم الأخرى وطرائق عاداتها وتقاليدها المحرمة، فمن أحسن وأحكم ما قرأت قول أحدهم: «إنه كلما تأخرت أمَّة، كثُرت أعيادُها».
صناعة الوئام: إن أهمية تجديد الروابط وصناعة الوئام، كونه اللحظة التي تذوب فيها الخلافات وتترسخ فيها الروابط الأسرية، بـ»مادة لاصقة» للنسيج المجتمعي، حيث تُفتح الأبواب الموصدة، وتصل الأرحام المقطوعة، مما يعيد تشكيل الهوية الجماعية للأمة على أسس من التسامح. إن العيد يعكس القيم الإسلامية الأصيلة؛ فلا تكتمل فرحة الفرد إلا بجماعة يشاركها الابتسامة، ولا يستقيم عيدٌ ينام فيه جارٌ على ضغينة تجاه جاره، ولا يؤذيه ولو بركنة سيارة. كما يجب أن ندرك أن التطور التقني، من «تلفون العمدة» القديم إلى أحدث وسائل الاتصال، يجب أن يكون خادماً لصلة الرحم لا بديلاً عن اللقاء النفسي العميق الذي يمنح الزائر والمزور شعوراً بالأمان والتقدير، فالعيد هو عودة حميدة لأيام الزمن الجميل، وهو الأمل الذي يجب أن يدفعنا للعمل والفأل الذي ينتج الإنجاز.
هندسة العدالة: من هندسة العدالة الاجتماعية، وقبل أن تصدح مآذننا بتكبيرات العيد، شرع الإسلام «زكاة الفطر» لتكون جسراً يربط بين المقتدر والمحتاج، في آلية ربانية لتحقيق التوازن، وضمان ألا يبكي طفل عوزاً بينما يضحك آخر ترفاً. إنها ليست مجرد صاع من طعام، بل هي تطهير للصائم وإغناء للفقير، تحقيقاً لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أغنوهم عن الطواف في هذا اليوم»، كما أنها تعزيز للتماسك، فحين يشعر الفقير أن المجتمع لم ينسه في لحظة السرور، يحلّ التوادّ محل الحقد، وتتقلص الفوارق الطبقية نفسياً واجتماعياً.
حماية الفرحة: لا يهمّ.. فلا يخلو العيد من بعض منغصات الحياة، في ظل ما تمر به منطقتنا من حروب دامية وأزمات سياسية، يصبح الحفاظ على «قدسية الفرح» واجباً وطنياً وشرعياً. لا سيما شاعر يُشارك معاناته ويلامس صوره وأحاسيسه، ومن أشهرها (دالية المُتنبي) في وصف حاله بمصر والتي يقول في مطلعها:
عيـدٌ بأيّـةِ حـالٍ جِئْـتَ يا عيـدُ
بما مضـى أم بأمْـرٍ فيكَ تجديـدُ
أمّـا الأحِبـة فالبيـداءُ دونَـهــم
فليـت دونـك بيــداً دونهـم بيــدُ
أعيادي التي عشتُها: ما يهمّ هو حقّي في أن أشهد على أعيادي التي عشتُها طفلًا، وعليّ أن أختم على أحزاني بالشمع الأحمر، ولأفرح قليلاً كما أمرنا النبي الكريم، فالعيدَ – كما يقولون – فرحة وروحُه الأطفال، لا سيما اليتامى، ورمزُه السعيد، لكني أتوقف عند شكوى الشاعر العراقي السيد مصطفى جمال الدين أيام صباه قائلاً:
هـذا هـو العيـدُ، أيـنَ الأهـلُ والفـرحُ
ضاقـتْ بهِ النَّفْـسُ، أم أوْدَتْ به القُرَحُ؟!
وأيـنَ أحبابُنـا ضـاعـتْ مـلامحُـهـم
مَـنْ في البلاد بقي منهم، ومن نزحوا؟!
لا تكُن حبروراً: من هنا يجب الحذر من بعض السلوكيات التي تفسد هذه الروح مثل إثارة الشائعات ونشر التشاؤم وبث الأخبار الكاذبة أو تأجيج الخلافات المذهبية والسياسية في أيام العيد يطعن في قلب الوحدة المجتمعية، والإسراف المبالغ فيه الذي يستفز مشاعر المنكوبين في مناطق الصراعات، فالفرح يجب أن يكون ممزوجاً بالوقار والامتنان، لا بالتبذير والمفاخرة..
وأخيراً التفكك الافتراضي عبر الانشغال بالهواتف ووسائل التواصل على حساب اللقاءات المباشرة والحضور الإنساني الحقيقي وحبور الحياة، لذا علينا الحذر الشديد من بث الفرقة بين الصفوف، لئلا يجد المرء نفسه من «الحبارير» الذين تاهوا في غياهب السخط الإلهي، ففقدوا حقيقة الحياة بعد أن قطعوا حبال الوصل مع أمتهم وخالقهم.
نصيحة: علينا أن نجعل من العيد «حصناً» ضد الفرقة، وليكُن عيدنا هذا العام رسالة تضامن مع أشقائنا في كل مكان، بالدعاء الصادق، وبالتكاتف الذي يظهر معدن الإنسان العربي في الأزمات، فالوحدة في العيد هي أقوى رد على كل محاولات تمزيق الصف.
وقفة: ليس العيد إلا تعليم الأُمة كيف تتسع روح الجوار وتمتد، حتى يرجع البلد العظيم وكأنه لأهله دار واحدة يتحقق فيها الإخاء بمعناه العملي، وتظهر فضيلة الإخلاص مُستعلنة للجميع، ويُهدي الناس بعضهم إلى بعض هدايا القلوب المخلصة المحبة؛ فكما نجدد ثيابنا، لنطهر نفوسنا من الغل، ولنجعل من قيمنا الإسلامية وقوداً لتعزيز الوحدة والتماسك. فالعيد الحقيقي هو الذي يسود فيه السلام، وتتصافح فيه القلوب قبل الأيدي، لتظل أمتنا قوية، صامدة، ومتوحدة خلف ثوابتها الأخلاقية والروحية، وكأنما العيد هو إطلاق روح الأسرة الواحدة في الأمة كلها.. فعوَّدَ يعوِّد، تعويدًا، فهو مُعوِّد، حافظ من الله لنا ولأوطاننا.. فهيا.. لنكبِّر، ولنُصلي صلاة العيد، ونبتسم؟!.