د.شامان حامد
ها نحن قد ودعنا شهر رمضان، ولياليه العامرة، والله أعلم من فاز بها وكان مقبولاً فنُهنِّيهُ، ومن منا المطرود فنُعزيه؟! لتمر الشهور بصخبها المُعتاد، وتقتلنا طقوسها الحياتية بشرورها - التي نحمد الله عليها -، حتى أثناء طقوس تعبدنا التي يمُر بعضُنا عليها مرور الكرام؛ وما بين افتقاد الحماس للروحانيات وبين انفطار العزيمة للجو الرمضاني؛ مُجددين آمالنا به؛ وقوة تحملنا عسانا نكون من أولي العزم؛ لتحل الفرحة والبسمة! وتلاحقنا في كل ركن بمعادلة ربانية، وإن كانت مُمكنة، طرفاها البشري وروحانية عيد الفطر.. لقوله سبحانه: {وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [البقرة: 185]. ولننتبه بعيدنا المُختلف.. ولقاءاته التي أمرنا الله بها ومن وصايا حكومتنا الرشيدة عندما يجتمع شمل الأسرة، لنسعد بالقرب بعد البُعد، ونهنأ بالحب، ونستدفئ بالعائلة.. ولحظاتها الطيبة، برابط العيد وأداء الواجب - وهو معنى سامٍ - نهانا الله في القرآن الكريم عن لون من الفرح يشير إلى التكبر والأنانية والاستعلاء على خلق الله والإضرار بالأخرين، بل وحذرنا شيخنا محمد بن صالح العثيمين: «إن كثيرًا من الناس تضيع أوقاتهم في العيد بالسهرات والرقصات الشعبية، واللهو واللعب، وربما تركوا أداء الصلوات في أوقاتها أو مع الجماعة، فكأنهم يريدون بذلك أن يمحوا أثر رمضان من نفوسهم إن كان له فيها أثر، ويجددوا عهدهم مع الشيطان الذي قلَّ تعاملهم معه في شهر رمضان».
فالأعياد في الإسلام لم تُشرع من أجل مجرّد الفرح، وإنما شُرعت لكي تستكمل حلقة البر في المجتمع الإسلامي، ليُصبح البر قضية اجتماعية؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - مطالبًا الأغنياء بألاّ يتركوا الفقراء لفقرهم: «أغنوهم عن السؤال في هذا اليوم»، هذا فيما يخص زكاة الفطر.. وإلا تصبح الصلاة والصيام وغيرها من الشعائر عبادات جوفاء لا تؤدي المعنى الاجتماعي الذي من أجله فُرِضت، واتخاذ ما تكفل به الإسلام وسارت على نهجه حكومتنا الرشيدة، لجعل حياتنا بالسلامة والأمان، فلا مناص من حسن استقبال العيد بكل خير وما هو مباح، وبما يجمع ولا يفرق، فالمأمول من المخطِّطين لاحتفالات العيد ومنفذيها أن يتعلموا من دروس الماضي مع انضباط تام وتحوُّط كبير بعيداً عن الشائعات.
إن العيد فرصة نفسية كبيرة ومدخل اجتماعي عظيم لكسر يُزيل ما ألم به الزمن من أحقاد وهموم بواجب صلة الأرحام والتواصل مع أولي القربى؛ ومن نحب أن نراهم بجوارنا سالمين آمنين، بالدفء أصالتنا الوطنية العربية وقيمنا المجتمعية؛ ولنتذكر في هذا العيد ما أبقى الله لنا من خير، وما تطول به علينا من فضل، فقد أبقى الله لنا نعمًا، لقوله تعالى: «وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا» [إبراهيم: 34].
لتكون العودة بأيام العيد - مرة أخرى - عوداً حميداً إلى أيام الزمن الجميل، ونحن أحوج ما نكون إلى أمل يدفع إلى عمل، وفأل ينتج إنجازًا، فحاول أن تخلع على نفسك ومجتمعك قميص الفرحة، وألبس مسوح الفرح، وأهدهم سلامة رمزية ولو بكلمة طيبة حانية، فللعيد فرحة، لا تقتلوها!.