د. سامي بن عبدالله الدبيخي
انطلاقاً من تخصصي في تخطيط المدن السعودية ومعايشة التحولات الكبرى في بنائها وإدارتها، أجدني اليوم مدفوعاً للتأمل في «عمق الفجوة» التي لا تزال تفصل بين الطموحات التخطيطية الكبرى وواقع التنفيذ على الأرض. وقد تعززت هذه الفكرة من خلال تتلمذي كطالب على يد الأمير الدكتور عبدالعزيز بن عياف -حفظه الله- الذي كانت تحدوه الرغبة في حثنا على فهم التحديات الماثلة أمام المدن وتوجيهنا لخوض غمار مواجهتها.
وترسخت هذه الفكرة أكثر عند قراءتي المتأنية لأطروحات سموه التي فصَّلها في كتابه المرجعي «سد الفجوة بين النظرية والتطبيق، المركزية واللامركزية في نظام التخطيط البلدي السعودي»، الذي يُشَرِّح فيه تحديات تخطيط وإدارة المدن. فقد مكنته حصيلة أربعين عامًا منشغلاً ودارسًا وممارسًا لشؤون التخطيط العمراني وإدارة المدن، أن يجمع في توليفة واحدة بين الأطر النظرية ومقتضيات التطبيق على أرض الواقع. هذا الكتاب تتمة لكتابين آخرين لسموه استعرضناهما في مقالين سابقين منشورين بجريدة الجزيرة هما «الإدارة المحلية والقطاع البلدي» و»أنسنة المدن من منظور عرَّابها».
كانت «قضايا التنمية الحضرية» وإشكاليات حوكمتها وتكامل الأدوار بين المستويات المركزية والمحلية أبرز ما يشغل طاولة سموه البحثية والمهنية. وقد وضح في كتابه أن إدارة هذه القضايا ومعالجة هذه الإشكاليات يتجاذبها نهجان رئيسيان، أحدهما يتميز بمركزية طاغية موروثة Top down، والآخر يتسم بلامركزية تسعى لإبراز دور المعالجات المحلية باعتبارها أقرب لفهم حيثيات الواقع المحلي وما يناسب تفاصيله الدقيقة Bottom up.
وهذه هي بالضبط، من وجهة نظري، معضلة الاستراتيجيات القطاعية الكبرى التي تُرسم على المستوى المركزي والتي يعوزها التكامل والتوازن عند التطبيق على المستوى المحلي. وهو ما يدعم طرح الأمير الدكتور ابن عياف الذي يشخص بدقة هذا الانفصال، مؤكداً أن المدينة ليست مجرد مساحة لتنفيذ مشاريع مبعثرة، بل هي منظومة حضرية متكاملة تحتاج إلى إدارة محلية تمتلك صلاحيات التنسيق والمواءمة بين المشاريع القطاعية. فنجاح منظومة التخطيط يتطلب التكامل الحقيقي للخطط القطاعية التنموية على المستوى المحلي وفهم العلاقة التفاعلية فيما بينها، بحيث تتحول المدينة من مجموعة مشاريع متفرقة إلى نسيج متكامل يحقق التوازن والاستدامة.
أثناء كتابة الدكتور عبدالعزيز لمقدمة الكتاب، وضح سموه أن الدولة اتخذت حديثًا خطوة رسمية تدعم التوجه إلى منح الإدارة المحلية الاستقلالية المالية والتنظيمية متمثلة في ما صدر عن مجلس الوزراء بإنشاء هيئات التطوير في عدد من مناطق المملكة ومدنها. وهو ما كان من ضمن توصيات رسالته الأكاديمية في مرحلة الدكتوراه مستشهداً بتجربة «الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض» ودورها المفصلي في تخطيط وتطوير المدينة والإشراف على تنفيذ مشاريعها وسياساتها الرئيسة، والتي تشرف سموه بالعمل لاحقًا أمينًا عامًا لها لمدة خمسة عشر عاماً تحت توجيه وقيادة رئيسها خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود -حفظه الله- أمير منطقة الرياض آنذاك ودعمه للامركزية وتطبيقها.
فهيئات تطوير المناطق والمدن تقوم بلعب دور حيوي في توجيه التنمية المحلية وقيادتها، من خلال تمتعها بسلطات تنظيمية وتخطيطية وإشرافية تضمن التوازن في التنمية بين الأنشطة الإنسانية والخدمات الأساسية (استخدمات الاراضي، والبنية التحتية، والخدمات الحضرية). فمع التغيرات الديموغرافية والاقتصادية السريعة، تصبح الدراسات التخطيطية المستمرة ضرورية لتحديث المخططات حتى تتناغم مع المستجدات الحضرية. وهذا ما يجعل هذه الهيئات بمثابة بوصلة تضبط مسار التنمية وتعمل على تكاملها مع الرؤى الوطنية، وتعزز فعالية الإدارات المحلية في الاشراف على التنفيذ، ومتابعة تحويل الخطط إلى واقع ملموس بمشاركة فعالة من الجهات المحلية الأخرى المعنية بالتنفيذ.
وهذا يستدعي على مستوى هيئات التطوير وجود مخطط يمتلك رؤية شمولية للتخطيط المتكامل بين كافة القطاعات التنموية، وهو ما يُشار إليه بمسمى «كبير المخططين Lead Planner» باعتباره المايسترو الذي ينسق سيمفونية التنمية الحضرية. من هنا يمكن الاستنتاج إن التحدي الأكبر الذي يُلاحظ بشكل متكرر في العديد من مخططات المدن، هو غياب هذا الدور لكبير المخططين ضمن الفرق الاستشارية الدولية ليقوم بدوره مستعينًا بخبرته التراكمية ورؤيته الشمولية لصهر الاستراتيجيات القطاعية الوطنية في بوتقة تفاعلية وتكاملية واحدة تناسب طبيعة المدينة وخصائصها.
إن قيادة العملية التخطيطية بالتكامل مع القطاعات التنموية ومواءمة استراتيجياتها لتحقيق الأهداف الحضرية الشاملة سيسهل توظيف مؤشرات المرصد الحضري في تطوير السيناريوهات المستقبلية واتخاذ القرارات الاستباقية لتقليل المخاطر والحد من تفاقم المشاكل العمرانية. كما إن تمكين الإدارات المحلية على مستوى المناطق والمدن من قيادة عمليات التنمية والإشراف على التنفيذ ضمن إطار حوكمة حضرية سيجعل مدننا مراكز للازدهار والرفاه.