د.زيد محمد الرماني
منذ تأسيس المنتدى الاقتصادي العالمي (WEF) في العام 1971، صار اجتماعه الذي ينعقد سنويا في دافوس Davos بمنزلة مؤشر مفيد لروح العصر الاقتصادي العالمي؛ إذ تستقطب هذه الاجتماعات، التي تستمر بضعة أيام في أواخر يناير، مديرين تنفيذيين، وكبار السياسيين، وممثلين لمنظمات غير حكومية، وقلة من المشاهير المهتمين بمعالجة القضايا الرئيسة التي تواجه الاقتصاد العالمي، وصناع القرار المعنيين بتلك القضايا.
لم تكن اهتمامات المنتدى في سبعينيات القرن المنصرم، حين كان لايزال معروفا باسم «منتدى الإدارة الأوروبي» (The European Management Forum) تتجاوز تدهور نمو الإنتاجية في أوروبا.
وفي الثمانينيات، أصبح شغله الشاغل إزالة قيود السوق. وفي التسعينيات برز الابتكار والإنترنت، ثم بحلول العقد الأول من القرن الجديد وحالة الانتعاش التي شهدها الاقتصاد العالمي، بدأ المنتدى بتبني اهتمامات أكثر «اجتماعية» إلى جانب هاجس الأمن الذي شغل العالم بشكل واضح عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر.
أما خلال السنوات الخمس التي تلت الانهيار المصرفي في العام 2008، فقد انصبت اهتمامات اجتماعات دافوس على كيفية استعادة حالة الانتعاش التي كان الاقتصاد العالمي قد شهدها من قبل.
وهكذا، تتقدم العلوم حثيثا في دعم هذه البرامج. إذ يثبت علماء الأعصاب كيف أن السعادة والتعاسة تحفران فيزيائيا داخل الدماغ ، ويتلمسون تفسيرات عصبية لبيان السبب وراء تحسين الغناء والخضرة لرفاهيتنا العقلية. ومع تراكم الأدلة الإحصائية ينمو حقل «اقتصاديات السعادة» ليستفيد من كل تلك البيانات الجديدة في بناء صورة دقيقة تبين أيَّ المناطق، وأيِّ أنماط الحياة وأشكال التوظيف، أو أي أنواع الاستهلاك هو ما يولد الرفاهية العقلية العظمى.
يقول ويليام ديفيز في كتابه ( صناعة السعادة ): إن آمالنا تُلوى استراتيجيا صوب هذا السعي الموضوعي والموجه والقابل للقياس خلف السعادة. ويُجاب الآن عن مسائل الحالة المزاجية التي كانت تُعد يوما أمرا «ذاتيا» باستخدام بيانات موضوعية.
وفي الوقت نفسه، أصبح علم الرفاهية هذا متداخلا مع معارف طبية واقتصادية واسعة، وتتماهى المزاعم بشأن الأذهان والأدمغة والأجسام والنشاط الاقتصادي مع ازدياد التداخل بين التخصصات بدراسات السعادة، من دون اهتمام يُذكر بالمشكلات الفلسفية ذات العلاقة. ثمة شاهد وحيد يلوح في الأفق على توجه عام للبشرية نحو الأمثل، وما هو واضح أن أولئك الذين يمتلكون تقانات إنتاج حقائق السعادة يكتسبون مواقع ذات تأثير فائق، أما أصحاب النفوذ فتغريهم الوعود التي تقطعها تلك التقانات بدرجة أكبر.
لكن، هل يُمكن حقا اتخاذ موقف مُعادٍ للسعادة؟ يستطيع الفلاسفة النقاش حول ما إذا كان اتخاذ هذا الموقف مقبولا أم لا.
أرسطو كان قد فهم السعادة بوصفها غاية البشر القصوى، وإن بالمعنى الثري والأخلاقي للكلمة. لن يوافق الجميع على هذا. وكتب فريدريك نيتشه: إن الإنسان لا يصبو إلى السعادة . ومع تغلغل علم النفس الإيجابي وقياس السعادة بثقافتنا الاقتصادية والسياسية منذ تسعينيات القرن الماضي، نما إحساس بعدم الارتياح بسبب الطريقة التي تبنى بها صناع القرار السياسي والمسؤولون مفهومي السعادة والرفاهية. حيثُ تكمن الخطورة في أن هذا العلم تنتهي به الحال بتحميل الأفراد مسؤولية شقائهم وعلاج هذا الشقاء، في حين يتجاهل السياق الذي أدى إلى ذلك. كتاب ويليام ديفيز يُشارك في الكثير من تلك المخاوف.
لكن تُرى ماذا لو كنا نمتلك هذا الفيض من المعارف السيكولوجية على مدى مائتي العام الأخيرة؟ وماذا لو لم يكن علم السعادة الراهن بكل بساطة إلا التكرار الأخير في مشروع متجدد يفترض أنّ العلاقة بين العقل والعالم تخضع للتدقيق الرياضياتي؟ هذا أحد الأمور التي يستهدف هذا الكتاب الكشف عنها.
لذا، يؤكد ديفيز أنه: قبل كل شيء، يستطيع اقتصاديو السعادة تحديد سعر نقدي لمشكلة البؤس والاستلاب. إذ قدرت مؤسسة غالوب لاستطلاع الرأي، على سبيل المثال، أن عدم إحساس الموظفين بالسعادة يكلِّف اقتصاد الولايات المتحدة خمسمائة مليار دولار أمريكي سنويا بسبب تدني الإنتاجية والإيرادات الضريبية وارتفاع تكاليف الرعاية الصحية. يسمح ذلك بالزج بانفعالاتنا ورفاهيتنا إلى قلب الحسابات الأوسع للكفاءة الاقتصادية؛ حيث تؤدي تقنيات علم النفس الإيجابي والتقنيات المرتبطة بها دورا جوهريا في مساعدة البشر على استعادة طاقاتهم ودوافعهم. والأمل كامن في احتمال التغلب على الخلل الأساسي في اقتصادنا السياسي الراهن من دون مواجهة القضايا الاقتصادية والسياسية الخطيرة. فغالبا ما يدور علم النفس حول الكيفية التي تتحاشى بها المجتمعات النظر في المرآة. إن مثل تلك القضايا تفتح الطريق أمام عدد من المسائل الأخرى. مثلا: هل الانفجار الراهن الذي يشهده الاهتمام التجاري والسياسي بالسعادة والرفاهية مُجرد بدعة بلاغية؟