عبود بن علي ال زاحم
أيها المدير أو القائد، لا تكابر في القرب من فريقك؛ فالقيادة ليست مسافة تُحافَظ عليها بقدر ما هي حضورٌ يُشعِر الآخرين بالأمان. القرب ليس ضعفًا في الهيبة كما يظنه البعض، بل هو إتيكيت قيادي راقٍ تُبنى به الثقة، ويُصنع به الانتماء، وتُدار به فرق العمل بكفاءة أعلى وولاءٍ أعمق.
في بيئات العمل الحديثة، لم يعد يكفي أن تُصدر التوجيهات من خلف المكتب أو تكتفي بالتقارير لفهم واقع فريقك؛ فالكثير من التفاصيل لا تُكتب، والمشاعر لا تُقاس بالأرقام. حين تسأل عن موظفك بصدق، وتطمئن عليه بإنسانية، وتُشعره بأنك حاضر معه لا فوقه، فأنت لا تمارس مجاملة، بل تطبق جوهر إتيكيت القيادة الذي يقوم على الاحترام والوعي بالتأثير. إتيكيت التعامل مع الفريق يبدأ من التفاصيل الصغيرة؛ من التحية الصادقة، ونبرة الصوت، واحترام الوقت، وتقدير الجهد، وصولًا إلى حسن الاستماع قبل إصدار الحكم. القائد اللبق يمنح فريقه مساحة للتعبير، يستوعب اختلاف الآراء، ويُحسن إدارة الحوار حتى في لحظات الضغط، لأنه يدرك أن الثقة لا تُفرض بل تُبنى.
القرب الواعي لا يعني إلغاء المسافة المهنية، ولا الذوبان في التفاصيل اليومية، بل هو توازن دقيق بين الحزم والإنسانية؛ بين وضوح الدور وصدق العلاقة. القائد القريب يعرف متى يدعم، ومتى يصحح، ومتى يصمت ليستمع، ومتى يتدخل ليمنح الثقة أو ليعيد ضبط المسار دون أن يمس الكرامة.
كما أن من أرقى صور الإتيكيت القيادي: الوضوح في التوقعات، والعدل في التقييم، والاتساق في التعامل. فلا شيء يربك الفريق أكثر من قائد متقلب المعايير. حين يكون القائد واضحًا في توجيهاته، عادلًا في قراراته، ثابتًا في أسلوبه؛ يشعر الفريق بالأمان ويعمل بثقة أعلى.
كم من فريقٍ تغيّر أداؤه لمجرد أن قائده قرر أن يقترب خطوة؛ جلس معهم، استمع إليهم، شاركهم التحديات، واحتفل بإنجازاتهم الصغيرة قبل الكبيرة. هذا النوع من القيادة لا يُدرّس في النظريات بقدر ما يُمارس في المواقف اليومية التي تثبت أن القرب يصنع بيئة عمل أكثر استقرارًا وإنتاجية وولاءً.
في النهاية، القائد الذي يقترب من فريقه بإتيكيتٍ واعٍ لا يخسر مكانته.. بل يكسب قلوبهم، ومعها يكسب النتائج.