سلمان بن محمد العُمري
استوقفتني قصة منسوبة لفضيلة الشيخ علي الطنطاوي - رحمه الله - في الحث على التصدق بأطايب الطعام ومفاد القصة كما يقول الشيخ «علي الطنطاوي» - رحمه الله -:
(رأيتُ ابنتي البارحة تأخذ قليلاً من الفاصوليا والأرز، ثم وضعتها في صينية نحاس وأضافت إليها الباذنجان والخيار وحبات من المشمش.. وهمّت خارجة، فسألتُها: لمن هذا؟
فقالت: إنه للحارس، فقد أمرتْني جدّتي بذلك...
فقلت: أحضري بعض الصحون، وضعي كل حاجة في صحن ورتّبي الصينية وأضيفي كأس ماء ومعه الملعقة والسكين، ففعلت ذلك ثم ذهبت..
وعند عودتها سألتني لمَ فعلتُ ذلك؟
فقلت: إنّ الطعام صدقةٌ «بالمال»، أما الترتيب فهو صدقةٌ «بالعاطفة».. والأولُ يملأ البطن، والثاني يملأ القلبَ؛ فالأول يُشعِر الحارس أنه متسولٌ أرسلْنا له بقايا الأكل.
أما الثاني فيُشعره أنه صديقٌ قريب أو ضيفٌ كريم..
وهناك فرق كبير بين عطاء المال وعطاء الروح، وهذا أعظمُ عند الله وعند الفقير.. فليكنْ إحسانُكم ملفوفاً بكرَمٍ ومحبة.. لا بذلٍّ ومهانة).
انتهت القصة وتفاصيلها كما وردت ولكن معانيها الجميلة لم تنته بعد فهي درس في البذل والعطاء والأخلاق، فالتصدق بأطيب الطعام والشراب والملابس والكماليات هو من أسمى الأعمال التي يمكن أن يقوم بها الإنسان، قال الله تعالى: (لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ) (92) سورة آل عمران. وعندما نتصدق بأطيب ما لدينا، نحن لا نعطي فقط، بل نحن ننمي في أنفسنا روح العطاء والكرم.
فلنكن سخيين في عطائنا، ولنتصدق بأطيب الطعام والشراب والملابس، ولنكن من الذين قال الله تعالى فيهم: (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلَا شُكُورًا ) (8 - 9) سورة الإنسان.
البعض يقدم الملابس وهي متسخة والطعام البائت للفقراء والمحتاجين، ولا يكلف نفسه لبضع دقائق في ترتيب الطعام أو حتى الملابس، وهذا التصرف غير مقبول، بل هو مخالف لأخلاق الإسلام، ويجب على المسلم أن يقدم للفقراء والمحتاجين ما هو طيب ومفيد، لا ما هو بائت أو متسخ. قال الله تعالى: (وَلاَ تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ) (267) سورة البقرة، فلنكن حريصين على تقديم ما هو طيب ومفيد للفقراء والمحتاجين، ولنكن من الذين يتصدقون بأطيب ما لديهم، وأن نحترم مشاعر الفقراء والمحتاجين.
يحدثني أحد العاملين في الجمعيات الخيرية عما يلاقونه من بعض الأشخاص الذين يتبرعون بالفائض لديهم من الطعام والملابس والأجهزة المنزلية وعما يجدونه من معاناة في استقبال هذه المساعدات وكيف لا يبالي الناس في تقديم المساعدات الطيبة، ويواصل صاحبنا حديثه قائلاً، لذا لجأنا إلى أن نقوم بإعادة تجهيز الأطعمة قبل توزيعها فبعضها منتهي الصلاحية وأصناف أخرى وضعت وخلطت مع الأخرى، كما قمنا بإنشاء ورش وجلب عمالة متخصصة للإصلاح والصيانة للأجهزة الكهربائية فبعض البيوت بحاجة للثلاجات والغسالات والأفران ولكن للأسف لا يستطيعون تأمينها والأجهزة الكهربائية التي تقدم لهم لا يمكن لهم صيانتها إن لم تكن جاهزة للعمل فهم لا يملكون القدرة على الإصلاح.
ليتنا حين نتصدق نستشعر حاجة الفقراء ومشاعرهم ولا نقدم لهم إلا طيباً وصالحاً، فهذا هو التصرف الصحيح، فلنكن حريصين على تقديم ما هو طيب ومفيد للفقراء والمحتاجين، وعندما نتصدق، فلنضع أنفسنا مكان الفقراء والمحتاجين، ولنقدم لهم ما هو أفضل ما لدينا.