د.شريف بن محمد الأتربي
آخر عهدي بصافرات الإنذار منذ أكثر من نصف قرن حين وعيت على هذه الدنيا وكانت نكسة حرب يونيو 1967 قد وقعت، وأصبح المجال الجوي المصري مهددا من قبل إسرائيل، حيث كانت تدق صافرات الإنذار في القاهرة حيث ولدت ونشأت، فكانت أمي رحمها الله تسارع بوضعنا أسفل الأسرة وتغلق الأبواب والنوافذ وتضع قطع مبللة من القماش أسفل الأبواب خوفا من ان تكون الغارة مصحوبة بغاز أو تؤدي إلى انبعاث غاز سام.
استمر الوضع على ما هو عليه حتى جاءت حرب أكتوبر، وخلال هذه السنوات اعتادت أذناي على سماع صافرات الإنذار حتى باتت تشكل جزءا من حياتنا ولحنا للنجاة من الموت المحدق بنا جميعا. ومع نهاية الحرب انتهت السيمفونية الغبية، وجاء أغاني النصر، لتتوقف أذناي عن استقبال أي إشعار بالخطر مصحوبا بصافرات الإنقاذ حتى الليلة الأخيرة من رمضان هذا العام. ما أن انتهينا من تناول وجبة الإفطار الرمضانية وبدأنا في الاستعداد لصلاة العشاء حتى دوت صافرات الإنذار في أجهزة المحمول بين أيدينا، دوت جميعها في وقت واحد، فهذه هي المرة الأولى التي تدق فيها صافرات الإنذار للتحذير من خطر معين قادم، فقد سبق أن خضنا تجربة عملها كتقنية تجريبية من قبل الدفاع المدني ولم يتخيل أحد منا أن تدوي هذه المرة مرافقة لصوت صاروخ أعلى منا يتبعه مضادات أرضية تلاحقه حتى لا يصل لهدفه، ثوان ودقائق مرت علينا كدهر قبل أن تعود نفس الصافرات لتطمئنا بزوال الخطر.
استخرت الله ونزلت إلى مسجدنا لنصلي العشاء وصلاة التراويح وعند الركعة السادسة عادت نفس الصافرات تدوي من جديد، ولكن هنا الحال قد تغير، وأصبح الاطمئنان هو الشعور المسيطر علينا، وكيف لا وجنودنا وقادتنا البواسل يقودون ملحمة للدفاع عن الوطن في إطار حرب دائرة في المنطقة لا ناقة لنا بها ولا جمل، فقط هناك من يحاول جرجرة دول المنطقة للدخول في صراع لم توافق هي أصلا على حدوثه، فمن خطط ودبر له كل هدفه إشاعة الفوضى في المنطقة ليسهل له الاستيلاء على مقدراتها، فلما خاب ظنه، والتزمت الدول بضبط النفس، ووقفت على حيادها، كان لابد من استهدافها لتخوض حربا ليست بحربها، حربا ستأكل الأخضر واليابس، حربا ربما تعيد المنطقة للخلف مئات السنين.
في تلك اللحظات القليلة بين صوت الصافرة وبزوغ الأمل بعودة الأمان، أدرك الجميع أن الخوف ليس إلا جرس إنذار يدفعنا للتمسك أكثر بإيماننا ووحدتنا، والالتفاف حول قادتنا وكبرائنا، فالخطر مهما اشتد، يبقى الوطن هو الملاذ والملجأ، وأبناؤه هم السند الحقيقي في مواجهة المحن، وأن تكاتفنا وتلاحمنا لن يعطي فرصة لأي كائن من كان للنيل من وطننا الذي بناه الأولون بالعرق والجد والاجتهاد، وبذلوا لذلك الغالي والنفيس. لقد علمتنا كل هذه التجارب أن الأزمات تصنع الشعوب وتصقل معادنها، وأن صوت السلام سيبقى أقوى من أي صافرة خوف.
رغم هذه الصافرات المدوية، وأصوات الصواريخ العاتية، ألتزم قادتنا بصوت العقل، واكتفوا بصدها بقوة ردعهم وبسالة جنودنا، فبات الاطمئنان ديدننا، والشعور بالأمان يملأ خواطرنا.
اللهم احفظ بلادنا وبلاد المسلمين.