صبحي شبانة
في ساحة الصراعات الإقليمية، لا تُقاس قوة الدول بمدى صواريخها الباليستية أو كثافة طائراتها المسيّرة، بل بحنكة دبلوماسيتها وصلابة إرادتها وقدرتها على فرض الأمن والحزم.
الصواريخ الإيرانية والهجمات المتكررة على دول الخليج ليست مجرد رسائل ضغط، بل اعتداءات صريحة تهدد أمن المنطقة واستقرار اقتصادها ومواردها الحيوية، وفي قلب هذا التحدي، تبرز قيادة المملكة العربية السعودية كركيزة لا تهتز، تقف بحزم غير مسبوق، تواجه كل اعتداء بوضوح وصرامة، وتعزز منظومة دفاعها لتضمن أن كل محاولة لاستهداف أراضيها أو مصالحها ستقابل برد حازم وفوري.
المملكة هي التي ترسم حدود الاشتباك، وتفرض التوازن، وتجعل من الأمن الخليجي مشروعًا متينًا لا مجال فيه للتهاون أو التساهل، بين خطر الحرب المفتوحة وضرورة السلام المستقر، من جهتها تدرك إيران أن الحرب المفتوحة مع دول الخليج، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية، ستكون مكلفة إلى حد لا يمكن تحمله سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا. لذلك، تميل إلى استخدام أدوات أقل كلفة وأكثر مرونة، من خلال توظيف هجماتها بالمسيرات والصواريخ الباليستية، لإبقاء حالة التوتر قائمة عند مستوى يمكن التحكم فيه، والهدف من ذلك ليس الحسم العسكري، بل تحسين شروط التفاوض وفرض حضور دائم في معادلة التوازن الإقليمي.
لكن هذه المقاربة الإيرانية، القائمة على التصعيد المنضبط، تصطدم في المقابل بعقل استراتيجي سعودي يتعامل مع التهديدات ببراجماتية عالية وبقدرة لافتة على الموازنة بين الردع والاحتواء.
فالسعودية لم تنجرّ يومًا إلى ردود أفعال متسرعة، ولن تسمح في الوقت ذاته بأن تتحول أراضيها أو مصالحها الحيوية إلى أهداف مستباحة، بل عملت على بناء منظومة دفاعية متقدمة وتعزيز جاهزيتها الأمنية، بما يجعل أي محاولة استهداف مكلفة وغير مضمونة النتائج.
وفي الوقت الذي ترفع فيه الرياض من مستوى كفاءتها الدفاعية، فإنها لا تغلق الباب أمام الحلول الدبلوماسية، فالتقارب الذي تم مع إيران بوساطة الصين لم يكن خطوة عابرة، بل يعكس إدراكًا عميقًا بأن استقرار المنطقة لا يمكن أن يتحقق عبر المواجهة وحدها، بل عبر إدارة الخلافات وتفكيك بؤر التوتر، وهذه المقاربة لا تنطلق من حسن نوايا مجردة، بل من قراءة دقيقة لطبيعة النظام الإيراني، الذي يتفاعل مع موازين القوة بقدر ما يتفاعل مع الرسائل الدبلوماسية.
إن الحكمة السعودية في هذا السياق لا تعني التردد، بل القدرة على اختيار التوقيت المناسب، والأداة المناسبة، ونوع الرد الذي يحقق الهدف دون أن يفتح أبوابًا لمخاطر أكبر، فالدول الكبرى لا تُقاس فقط بما تملكه من قوة، بل بكيفية استخدام هذه القوة، وبقدرتها على تجنب الحروب غير الضرورية دون التفريط في أمنها أو هيبتها.
وفي خضم هذا المشهد المتشابك، يبرز سؤال: هل يمكن لقدسية عيد الفطر أن تشكل عامل ردع أخلاقيا أو نفسيا لدى ايران يدفع نحو التهدئة ووقف الهجمات؟
من حيث المبدأ، يحمل العيد في الوجدان الإسلامي معاني السكينة والتسامح، وهو محطة روحية يفترض أن تتراجع فيها الصراعات، أو على الأقل تخف حدتها، غير أن الواقع فيما يبدو لدى النظام الإيراني يقدم صورة مختلفة، حيث لا تخضع القرارات العسكرية لدى الحرس الثوري لمنطق قدسية المناسبات الدينية، بل أثبتت سوابق ايران أن التوقيت في مثل هذه العمليات قد يُستخدم أحيانًا كأداة ضغط إضافية، لا كالتزام بالتهدئة.
لذلك، فإن التعويل على قدسية عيد الفطر باعتبارها مناسبة دينية «لدى جموع المسلمين» وحدها لا يكفي لوقف الاعتداءات، ما لم يقترن ذلك بميزان قوة واضح ورسائل ردع لا لبس فيها. وهنا تحديدًا تتجلى أهمية الدور الذي تقوم به المملكة العربية السعودية، ليس فقط في حماية أمنها الوطني، بل في صون الأمن الخليجي ككل، باعتبارها الدولة الأكثر تأثيرًا وقدرة على ضبط إيقاع التوازنات.
إن الخليج اليوم لا يعيش حالة حرب شاملة، لكنه أيضًا ليس في حالة سلام كامل. إنه يقف في منطقة رمادية، عنوانها التوتر المحسوب، حيث تتقاطع المصالح، وتتشابك الرسائل، وتبقى كل الأطراف في حالة استعداد دائم وفي مثل هذه البيئة، يصبح الاستقرار إنجازًا بحد ذاته، لا أمرًا بديهيًا.
وبين تصعيد يُراد له أن يبقى تحت السيطرة، وردع يُدار بعقلانية، تواصل السعودية رسم معادلة دقيقة، تحمي بها أمنها، وتُبقي المنطقة بعيدة عن الانفجار الكبير، إنها سياسة لا تبحث عن الصدام، لكنها لا تخشاه، ولا تسمح في الوقت ذاته بأن يكون أمن الخليج رهينة لمغامرات إيرانية غير محسوب نهايتها ومآلاتها.