د. إبراهيم بن جلال فضلون
«إِذا رَأَيْتَ نُيُوبَ اللّيْثِ بارِزَةً
فَلا تَظُنَّنَّ أَنَّ اللّيْثَ يَبْتَسِمُ»
بيت لأبي الطيب المتنبي، وكأنهُ إعلان صريح عن «زحزحة» جيوسياسية كبرى أعادت رسم خرائط القوة، مُنذ اندلاع شرارة الصراع بين المحور الأمريكي الإسرائيلي وإيران، لم يعد العالم ثنائي القطبية (واشنطن - بكين) بالمعنى التقليدي، منذ بداية حرب إيران والثنائي الأمريكي الإسرائيلي بحلول منتصف مارس 2026، حيثُ أدرك العقل الاستراتيجي العالمي أن تلك الثنائية قد تشققت جدرانها، فنحن اليوم لا نعيش في عالم «بين قوتين»، بل في عالم «بين خيارين»: إما الانزلاق نحو حرب باردة (أو ساخنة) مدمرة، أو الاعتراف ببروز «الكتلة الحرجة» التي فرضت نفسها كقطب ثالث لا يُستهان به. وتشير البيانات الاقتصادية الأخيرة إلى أن «القوى المتوسطة النشطة»، والتي تضم دولاً مثل المملكة العربية السعودية، الهند، البرازيل، تركيا، وإندونيسيا، قد أصبحت تشكل كتلة تمثل مجتمعة حوالي 28 % من الناتج المحلي الإجمالي العالمي و45 % من التجارة الدولية، مما يؤهلها لتكون «قطباً ثالثاً» غير منحاز بالضرورة لأي من المحورين التقليديين.
وهنا يأتي دور «الوسيط النزيه» في ظل الضغوط الاقتصادية والعسكرية، والسؤال هل يمتلك هذا القطب القدرة على الوساطة؟ بالأرقام قد بلغت قيمة الوساطات التجارية التي قادتها القوى المتوسطة لحل نزاعات سلاسل الإمداد في 2025 - 2026 ما يقدر بـ 1.2 تريليون دولار، مما يثبت نجاح دورها كـ «ممتص للصدمات.. وتشير إحصائيات الربع الأول من عام 2026 إلى أن القوى المتوسطة تمتلك أداتين فريدتين للوساطة:
أولاً: الاستقلال المالي: دول مثل المملكة العربية السعودية تمتلك صناديق سيادية ضخمة (صندوق الاستثمارات العامة تجاوزت أصوله مستويات قياسية في 2026)، مما يسمح لها بممارسة «دبلوماسية الاستثمار» كوسيلة لتهدئة النزاعات.
ثانيًا: سلاسل التوريد المرنة: نجحت الهند وإندونيسيا في فرض أنفسهما كبدائل حيوية في سلاسل التوريد التقنية، مما يجعل القوى الكبرى (أمريكا والصين) تخشى استعداء هذه الكتلة الحرجة التي غيرت المعادلة بالأرقام، وهي اللغة التي لا تعرف المواربة في أدبيات التحليل الرصين، فهذه «القوى المتوسطة» أصبحت تمثل مجتمعة حوالي 28 % من الناتج المحلي الإجمالي العالمي كـ»وزن نوعي» يمنح هذه الدول القدرة على تعطيل أو تفعيل أي قرار اقتصادي عالمي، كما أن سيطرة هذه الدول على 45 % من حجم التجارة الدولية تجعل منها الشريان الأبهر للاقتصاد العالمي. فالمملكة العربية السعودية، بقوتها الاستثمارية الهائلة ضمن رؤية 2030 وبمركزها القيادي في أسواق الطاقة المتجددة والتقليدية، والهند بنموها الديموغرافي والتقني المتسارع حال ابتعادها عن دعم إسرائيل، والبرازيل بسطوتها على موارد الغذاء والمعادن، وتركيا بموقعها الجيواستراتيجي الرابط وصناعاتها الدفاعية، وإندونيسيا بثقلها في جنوب شرق آسيا؛ كل هذه العناصر تجمعت لتصنع «كتلة حرجة» لا يمكن تجاوزها عند رسم أي نظام دولي.
السؤال: هل نجحت القوى المتوسطة في كسر هذا الثنائي؟ بحلول 17 مارس 2026 نلاحظ من الأجندة العالمية الثالثة، أي ما وراء «الديمقراطيات مقابل السلطويات»، تراجعاً كبيراً في تأثير السردية الغربية (ديمقراطية/سلطوية) لصالح أجندة السيادة والتنمية عبر محاور ثلاثة:
براغماتية التنمية: ترفض دول مثل البرازيل وتركيا والشرق الأوسط الانضواء تحت لواء أيديولوجي معين، وبدلاً من ذلك، تروج لمفهوم «التحالفات المتعددة.
كتلة بريكس بلس (BRICS+): في توسعها الأخير، أثبتت هذه الكتلة أن المعيار هو «المصلحة الاقتصادية المتبادلة» لا «التطابق السياسي».
الاستدامة والتقنية: فرضت القوى المتوسطة أجندة المناخ والذكاء الاصطناعي كأولويات عالمية تتجاوز الصراع الأمني، حيث تقود هذه الدول اليوم استثمارات الطاقة المتجددة بنسبة نمو بلغت 15 % سنوياً في دول الجنوب العالمي.
هل تمتلك القوى المتوسطة الأدوات الكافية للحل دون تدخل القوى العظمى؟ نعم، وبشكل متزايد، من خلال مسارات وأدوات قوية:
الأداة الاقتصادية: التهديد بوقف الاستثمارات أو تغيير مسارات التجارة. في فبراير 2026، رأينا كيف أدى ضغط اقتصادي مشترك من قوى إقليمية إلى تهدئة نزاع حدودي في جنوب شرق آسيا دون تدخل «البنتاغون» أو «الخارجية الصينية».
الأمن الإقليمي الذاتي: تطور الصناعات العسكرية في دول مثل تركيا والسعودية والهند قلل الاعتماد على السلاح من القوى العظمى، مما منحها حرية أكبر في اتخاذ قرارات «خفض التصعيد».
السيطرة على الممرات: تتحكم القوى المتوسطة في أهم الممرات المائية (باب المندب، مضيق هرمز، مضيق ملقا). التحكم في تدفق 35 % من طاقة العالم و25 % من تجارته يمنحها قدرة تعطيلية تجبر القوى الكبرى على الجلوس لطاولة التفاوض.
ومن صور التحولات على سوق النفط والطاقة، أدى صعود هذا القطب الثالث إلى إعادة هندسة سوق النفط العالمي بشكل جذري:
تسعير النفط خارج «البترودولار: «بدأت دول مثل الهند والبرازيل في تسوية عقود نفطية طويلة الأجل بالعملات المحلية أو عبر سلال عملات تابعة لـ (BRICS+)، مما قلل من حساسية أسعار النفط لتقلبات الدولار الأمريكي.
تحالف «أوبك بلس» كلاعب جيوسياسي: عززت القوى المتوسطة (خاصة السعودية والإمارات) من استخدام القدرة الإنتاجية الفائضة كأداة لتحقيق الاستقرار السياسي، حيث يلاحظ في مارس 2026 أن «علاوة المخاطر الجيوسياسية» أصبحت تُدار إقليمياً وليس عبر التهديدات العسكرية الدولية.
نمو الطلب في «الجنوب العالمي: «انتقل ثقل الطلب العالمي تماماً من أوروبا وأمريكا الشمالية إلى القوى المتوسطة الصاعدة (الهند وإندونيسيا وفيتنام)، مما جعل هذه الدول هي التي تملك الكلمة العليا في تحديد مستويات الأسعار العادلة، بعيداً عن ضغوط المستهلكين الغربيين التقليديين.
تسييس الطاقة النظيفة: تستخدم القوى المتوسطة سيطرتها على المعادن الأرضية النادرة (مثل إندونيسيا والبرازيل) للمساومة على حصص النفط والغاز، مما خلق «سوق طاقة متكامل» يربط بين الوقود الأحفوري والطاقة المتجددة في سلة مفاوضات واحدة.
وقفة: هل نحن أمام قطب ثالث؟ إن التاريخ يعلمنا أن القوة ليست في الضخامة فحسب، بل في القدرة على التكيف والتوازن. وهذه القوى المتوسطة قد أثبتت أنها «بيضة القبان» في ميزان القوى العالمي الجديد، ونحن لا نرى قطباً ثالثاً بالمعنى «الهيكلي» (حلف عسكري واحد)، بل نحن أمام «قطبية مرنة»، فالقوى المتوسطة في 17 مارس 2026 هي التي تمنع انزلاق العالم إلى حرب عالمية ثالثة، لأنها تشكل «المساحة الرمادية» التي تسمح للقوى العظمى بالتراجع عن حافة الهاوية دون فقدان ماء الوجه. وقد صدق شاعرنا مصطفى لطفي المنفلوطي: «مَا استَحَقَّ أَن يُولَدَ مَن عَاشَ لِنَفسِهِ فَقَط».
التوقعات: سيشهد عام 2027 سيطرة أكبر لهذه القوى على المؤسسات الدولية (مثل البنك الدولي وصندوق النقد)، حيث تطالب بتمثيل يتناسب مع ثقلها الجديد الذي لم يعد «متوسطاً» إلا بالاسم.