خالد محمد الدوس
في خطوة لافتة تعكس تحولاً في الأولويات المعرفية الوطنية، أقر مجلس الوزراء الموقر مؤخراً؛ تأسيس «المعهد الملكي للأنثروبولوجيا والدراسات الثقافية».. وهذه الخطوة المهمة تحمل دلالات ذات أبعاد استراتيجية. وأهمها توثيق الموروث الثقافي والاجتماعي السعودي بمناهج علمية حديثة؛ مما يسهم في حفظ الهوية الوطنية للأجيال القادمة، وفهم التحولات المجتمعية من خلال دراسة التغيرات الاجتماعية والثقافية التي تمر بها المملكة في مرحلة التطور الكبير، مما يوفر بالتالي قاعدة معرفية لصناع القرار.
لطالما أن مرآة المجتمع «علم الأنثروبولوجيا».. العلم الذي يهتم بدراسة الإنسان ككائن ثقافي واجتماعي في بيئاته المختلفة.. عانى في المنطقة العربية من(غربة أكاديمية) واضحة.. فباستثناء محاولات مبكرة في ثلاثينيات القرن الماضي على يد رواد بريطانيين ( كراد كليف براون) و(إيفانز بريتشارد)، ظل هذا الحقل المعرفي مهمشاً، إن لم يكن موضع شبهة لارتباطه التاريخي بالدراسات الاستشراقية والحملات الاستعمارية..!
هنا تكمن المفارقة.. المملكة التي تمتلك إرثاً ثقافياً ضخماً وتنوعاً مجتمعياً فريداً (ساحلي، جبلي، بدوي، حضري) لم يكن لديها حتى اليوم مؤسسة أكاديمية كبرى مكرسة بالكامل لدراسة هذا التنوع. كان الاهتمام الرسمي منصباً على «التراث» بوصفه ماضياً يُحفظ، وليس على «الثقافة» بوصفها كائناً حياً يتحول ويتفاعل مع المتغيرات.
قد يتساءل البعض.. أليس لدينا المعهد الملكي للفنون التقليدية (وِرث).. ؟! بالتأكيد، لكن الفرق جوهري. «وِرث» معني بالفنون التقليدية والحرف اليدوية، أي بالمنتجات المادية للثقافة. أما المعهد الجديد للأنثروبولوجيا والدراسات الثقافية، فمعني بالإنسان ذاته: (معتقداته، سلوكياته، تنظيماته الاجتماعية، كيفية تفكيره وتواصله وتكيفه مع البيئات المختلفة).
إنه بالطبع الانتقال من دراسة «الجماد» إلى دراسة «الحي». من دراسة القطع الأثرية في المتاحف إلى فهم القوى الاجتماعية التي تشكل هوية المواطن السعودي اليوم، في زمن التحولات الكبرى التي تعيشها المملكة في ظل رؤية 2030. والأكيد أن إنشاء معهد ملكي بهذا الاسم يحمل رسالة ضمنية مفادها أن الدولة-أيدها الله- تدرك أهمية العلوم الإنسانية في رسم سياساتها المستقبلية. فالمشاريع العملاقة كـ»القدية» و»البحر الأحمر» تستقطب سياحاً من مختلف الثقافات، وهذا يتطلب فهماً عميقاً للآخر. كما أن التحولات الاقتصادية والاجتماعية داخل المملكة تحتاج إلى رصد علمي دقيق لكيفية تفاعل المجتمع معها. لكن التحديات المنهجية تظل قائمة. فعلماء الأنثروبولوجيا العرب غالباً ما يجدون أنفسهم أمام هيمنة النظريات الغربية التي صيغت في سياقات مختلفة تماماً، وأمام إشكالية «المحافظة على الوحدة العربية» والخوف من تفتيت الثقافة عند دراسة الفروقات المحلية .
هنا يبرز دور المعهد في صياغة «أنثروبولوجيا محلية» تستلهم من التراث الفكري العربي - من العلامة ابن خلدون صاحب نظرية العصبية إلى البيروني والمسعودي - ولا تكتفي بالاستهلاك الأكاديمي الغربي..!
لكن التحدي الأكبر أمام المعهد السعودي هو تجاوز النماذج التقليدية. العالم اليوم لم يعد مجرد قرى وصحراء..!، بل هو (فضاء رقمي) متصل. الأنثروبولوجيا الرقمية التي تدرس تأثير وسائل التواصل على الهوية والعلاقات الاجتماعية، وأنثروبولوجيا المدن الجديدة، ودراسات المجتمعات الافتراضية، كلها مجالات هامة يمكن للمعهد أن يخوض غمارها بدلاً من البقاء في إطار الدراسات الفلكلورية التقليدية.
إن تأسيس المعهد الملكي للأنثروبولوجيا ليس مجرد إضافة مؤسسية جديدة، بل اعتراف ضمني بأن التنمية الحقيقية لا تكتمل بمنجزاتها «المادية» وحدها، بل بفهم الإنسان الذي يصنع هذه التنمية ويتأثر بها. على اعتبار أن الإنسان هو محور التنمية وغايتها، وإن النهضة الحقيقية تحتاج إلى فهم أعماق لهذا الإنسان ، خاصة في زمن تتسارع فيه المتغيرات ، وتتشابك فيه التأثيرات العالمية مع الخصوصيات المحلية.
وقفة:
التنمية الشاملة في المجتمع المعاصر تقوم على ركيزتين معاً: «بناء الاقتصاد وفهم الإنسان».