عماد بن حمود الرحبي
في حياةِ الناسِ مواقفُ كثيرةٌ يُساءُ فهمُها، ولعلَّ من أكثرِها تعرضًا لسوءِ التقديرِ ذلك الصمتُ الذي يختارُه بعضُهم في أوقاتِ الجدلِ أو الخلافِ أو الألمِ؛ فكثيرًا ما يُفسَّرُ الصمتُ على أنه ضعفٌ، أو عجزٌ عن الردِّ، أو تراجعٌ عن الحقِّ، مع أنَّ الحقيقةَ في كثيرٍ من الأحيانِ تكونُ مختلفةً تمامًا، فليس كلُّ مَن سكتَ عاجزًا، ولا كلُّ مَن آثرَ الهدوءَ خاليًا من الحجةِ، ولا كلُّ مَن لم يدخل في معركةِ الكلامِ خاسرًا.
لقد أصبحنا نعيش في زمنٍ يعلو فيه الضجيجُ، ويكثرُ فيه التسرعُ، ويظنُّ بعضُ الناسِ أنَّ كثرةَ الكلامِ انتصارٌ، وأنَّ رفعَ الصوتِ قوةٌ، وأنَّ الردَّ الفوريَّ في كلِّ موقفٍ علامةُ ذكاءٍ وحضورٍ، وفي وسطِ هذا المشهدِ، تراجعت قيمةُ التروي، وقلّ تقديرُ الصمتِ الحكيمِ، حتى صار البعضُ يستغربُ الإنسانَ الهادئَ، ويُسيءُ قراءةَ اتزانِه، ويحسبُ حلمَه ضعفًا؛ مع أنَّ الهدوءَ في أحيانٍ كثيرةٍ يحتاجُ إلى قوةٍ داخليةٍ أكبر من قوةِ الانفعالِ.
فالصمتُ ليس صورةً واحدةً، بل له وجوهٌ كثيرةٌ: هناك صمتُ الحكيمِ الذي يدركُ أنَّ بعضَ النقاشاتِ لا تستحقُّ أن تُستنزفَ فيها النفسُ، وأنَّ بعضَ العقولِ لا تبحثُ عن الحقيقةِ بقدرِ ما تبحثُ عن الغلبةِ.
وهناك صمتُ المتألمِ الذي يعجزُ عن شرحِ ما في داخلِه؛ لا لأنه لا يملك الكلماتِ، بل لأنَّ الألمَ أوسعُ من أن تحتويه العبارةُ، وهناك صمتُ العاقلِ الذي يعرفُ أنَّ الردَّ في بعضِ اللحظاتِ لا يصلحُ الحالَ، بل يزيده اشتعالًا، وهناك أيضًا صمتُ مَن تعبَ من كثرةِ التبريرِ، ومَن أنهكته محاولاتُ الشرحِ، ومَن أدرك أنَّ بعضَ الناسِ لا يفهمون إلا ما يريدون فهمَه.
ومن الظلمِ أن نقيسَ الناسَ جميعًا بمقياسٍ واحدٍ؛ فهناك مَن يعبّرُ بالكلامِ، وهناك مَن يعبّرُ بالصمتِ، وهناك مَن يواجهُ، وهناك مَن يختارُ الانسحابَ الكريمَ بدلَ الانحدارِ إلى مستوى لا يليقُ به. وليس من النضجِ أن نحاكمَ كلَّ ساكتٍ على أنه ضعيفٌ؛ لأننا لا نعرفُ ما الذي منعَه من الكلامِ: أهو الحلمُ؟ أم الأدبُ؟ أم الحزنُ؟ أم اليقينُ بأنَّ بعضَ الردودِ لا تُقالُ لأنها أكبرُ من أن تُنطقَ؟
بل إنَّ الصمتَ في بعضِ المواقفِ يكونُ أبلغَ من الكلامِ؛ فحين يسكتُ الإنسانُ احترامًا لكبيرٍ، أو تجنبًا لجرحِ قريبٍ، أو حفاظًا على ما تبقى من الودِّ، فإنه لا يخسرُ، بل يمارسُ نوعًا راقيًا من ضبطِ النفسِ. وحين يبتعدُ عن المهاتراتِ، ويرفضُ أن يجعلَ من كلِّ إساءةٍ معركةً، فإنه لا يتنازلُ عن كرامتِه، بل يحفظُها من أن تُستهلكَ فيما لا يستحقُّ.
والمشكلةُ أنَّ بعضَ الناسِ لا يقرؤون إلا الظاهرَ، فيرون الساكتَ لقمةً سهلةً، والهادئَ مترددًا، والمتسامحَ قليلَ حيلةٍ. وهذه نظرةٌ قاصرةٌ؛ لأنَّ التجاربَ كثيرًا ما تثبتُ أنَّ أكثرَ الناسِ صمتًا هم أعمقُهم نظرًا، وأنَّ أهدأهم ظاهرًا قد يكون أشدهم حسمًا حين تحينُ لحظةُ القرارِ، فليس من الحكمةِ أن نغترَّ بمَن يكثرُ الكلامَ، كما ليس من العدلِ أن نقللَ من شأنِ مَن يختارُ الصمتَ.
إنَّ الإنسانَ الناضجَ لا يردُّ على كلِّ شيءٍ، ولا يدخلُ في كلِّ جدالٍ، ولا يشرحُ نفسَه لكلِّ أحدٍ؛ لأنه يدركُ مع الزمنِ أنَّ العمرَ أقصرُ من أن يُهدرَ في إقناعِ مَن لا يريدُ أن يفهمَ، وأنَّ راحةَ النفسِ أثمنُ من أن تُستبدلَ بانتصاراتٍ وهميةٍ في سجالاتٍ عابرةٍ. وبعضُ الصمتِ ليس هروبًا من المواجهةِ، بل حمايةٌ للقلبِ من التعبِ، وللعقلِ من الفوضى، وللكرامةِ من الابتذالِ.
ومع ذلك، لا يعني هذا أنَّ الصمتَ مطلوبٌ دائمًا، أو أنَّ السكوتَ عن كلِّ شيءٍ فضيلةٌ؛ فهناك مواقفُ يكونُ الكلامُ فيها واجبًا، والحقُّ فيها لا يُصانُ إلا بالبيانِ، والظلمُ لا يوقفُه إلا صوتٌ واضحٌ. لكنَّ الفارقَ الحقيقيَّ هو أنَّ الإنسانَ الواعيَ يعرفُ متى يتكلمُ، ومتى يسكتُ، ومتى يكونُ الصمتُ حكمةً، ومتى يكونُ الكلامُ مسؤوليةً. وهذه الموازنةُ ليست سهلةً، لكنها من علاماتِ النضجِ الحقيقيِّ.
نحن بحاجةٍ إلى أن نعيدَ النظرَ في فهمِنا للصمتِ، وأن نتوقفَ عن تفسيرِه دائمًا تفسيرًا سطحيًا؛ فليس كلُّ هدوءٍ فراغًا، وليس كلُّ سكوتٍ هزيمةً، فأحيانًا يكون الصمتُ احترامًا، وأحيانًا يكون ألمًا، وأحيانًا يكون وعيًا ناضجًا بأنَّ بعضَ المعاركِ لا تليقُ بالإنسانِ أصلًا.
وفي النهايةِ، لا يُقاسُ الناسُ بكثرةِ ما يقولون، بل بعمقِ ما يفهمون، وبحكمةِ ما يختارون. وقد يكون من أجملِ ما يتعلمُه الإنسانُ في هذه الحياةِ أن يعرفَ أنَّ الصمتَ، في وقتِه الصحيحِ، ليس ضعفًا أبدًا، بل قوةٌ تعرفُ متى تتكلمُ ومتى ترتفعُ عن الضجيجِ.