د.عيد بن حجيج الفايدي
عيدُ الفطر وعيدُ الأضحى لا يكاد يمرّ أحدهما دون استحضار قصيدة أبي الطيب المتنبي (المولود عام 303هـ)، تلك القصيدة التي قالها ليلة عيد الأضحى. ورغم أن مناسبتها كانت خاصة بالشاعر، فإن سياقها ما يزال حيًّا إلى اليوم. مات المتنبي ومات كافور، وبقيت القصيدة شاهدة على حال الإنسان في لحظات التناقض. ويستعاد هذا النص كلما جاء العيد في ظرفٍ غير متوقّع أو أزمةٍ طارئة، فيصبح الاستشهاد به مناسبًا لأي «عيد». ولهذا ما زالت أبيات المتنبي حاضرة في كل مناسبة، خاصة حين خاطب العيد بقوله:
«بأيِّ حالٍ عُدتَ أيها العيدُ؟
هل عُدتَ بما مضى من حالٍ، أم عُدتَ وفيك تجديدٌ لأمرٍ جديد؟» كان المتنبي ينكر عودة العيد في وقتٍ صعب يمرّ به، لكن العيد في ذاته غير مرتبط بالأحداث؛ فهو تابعٌ للأشهر القمرية، لا للظروف السياسية أو الاجتماعية، سواء كانت إيجابية أو سلبية. ومع ذلك، لا يمكن تجاهل أثر الأحداث الكبرى، ولا سيما «الحرب» التي تتجاوز آثارها هذه المنطقة لتطال العالم بأسره.
والعيد في زمن الحرب يبدو متناقضًا ومختلفًا؛ فهناك من يرتدي ثياب الحداد بدلًا من لباس الفرح، ويجلس في أطراف داره ينتظر المواساة بدلًا من التهاني. إنه مشهد يختصر التناقض الإنساني. ففي زمن الحرب، لا يكون العيد مجرد مناسبة، بل طيفًا يطلّ من ثقبٍ ضيّق على أمل العودة إلى الحياة الطبيعية، وتذكيرًا بأن العيد كان وما زال يومًا جميلًا. ومع هذا التناقض، يعود شعر المتنبي ليجد مكانه في كل مناسبة تحمل هذا الاضطراب:
عيدٌ بِأَيَّةِ حالٍ عُدتَ يا عيدُ
بِما مَضى أَم بِأَمرٍ فيكَ تَجديدُ
أَمّا الأَحِبَّةُ فَالبَيداءُ دونَهُمُ
فَلَيتَ دونَكَ بيدًا دونَها بيدُ
يا عيدُ، بأيِّ وجهٍ جئتَ يا عيدُ،
والشرقُ يرسلُ نارًا فيها تهديدُ.
يا عيدُ، والليلُ في عينيكَ منطفئٌ،
وفي المدى صمتٌ طويلٌ باتَ مفقودُ.
صواريخُ تترى تعبرُ البحرَ قاصدةً،
تهوي، كأنّ بها للأرضِ ترديدُ.
تهوي على الرياضِ، والأنفاسُ واثقةٌ،
والأملُ في صدرِها يمتدُّ ويزيدُ.
ودبيُّ تدمعُ، وما في البحرِ من سفنٍ
إلّا وتعلمُ أن الحزنَ معقودُ.
والكويتُ تصحو على رجعِ المواجعِ، لا
فجرٌ يلوّحُ، لا وعدٌ ولا عودُ.
والمنامةُ تُطفئُ أنوارًا تعوّدتِ
أن لا تُفارِقَها الأفراحُ والعيدُ.
وبغدادُ... آهٍ على بغدادَ من زمنٍ
ما عادَ فيهِ على الأنهارِ تغريدُ.
ومسقطُ الحانيةُ البيضاءُ واجمةٌ،
كأنّ في صدرِها للبحرِ تنهيدُ.
يا عيدُ، ماذا تبقّى كي تُسامِحَنا،
والجرحُ في كلِّ قريةٍ باتَ مشهودُ؟
جئتَ، والقلبُ لا يرجو «مسيرةَ» يومٍ،
بل يسألُ اللهَ سترًا منهُ مقصودُ.
يا عيدُ، إن عُدتَ يومًا دونَ صاروخٍ،
عُدنا نُهيّئُ للأفراحِ تمهيدُ.
عيدٌ بِأَيَّةِ حالٍ عُدتَ يا عيدُ
بِما مَضى أَم بِأَمرٍ فيكَ تجديد.