مرفت بخاري
ليس من قبيل المصادفة أن تبقى أمة محمد صلَّى الله عليه وسلم حيّةً في مسرح التاريخ رغم ما مرّ بها من عصور ضعفٍ واضطراب، فكم من أممٍ بلغت ذروة القوة ثم انطفأت، وكم من حضاراتٍ ملأت الدنيا صخبًا ثم صارت ذكرى في بطون الكتب، أما هذه الأمة فقد تعاقبت عليها القرون، وتبدّلت أحوالها بين صعودٍ وهبوط، لكنها لم تغب عن الوجود، ولم تنطفئ جذوتها.
لقد كشف القرآن الكريم سرّ هذه الديمومة حين قال الله تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ).
فالخيرية هنا ليست امتيازًا يُمنح بلا ثمن، بل مسؤولية تحفظ حياة الأمة، ما دامت فيها عيونٌ ترى المعروف معروفًا، وقلوبٌ تنكر المنكر ولا تتصالح معه، فإن روحها تبقى يقظة مهما اشتدت العواصف.
ولهذا لم يكن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مجرد خطابٍ أخلاقي عابر، بل هو في حقيقته نظام حمايةٍ روحي واجتماعي للأمة، به يبقى الضمير حيًا، وبه يتجدد الإصلاح من داخل المجتمع نفسه، فإذا غفل بعض الناس عن الخير أيقظهم غيرهم، وإذا زلّ بعضهم عن الطريق وجد من يردّه بلطفٍ أو نصحٍ أو كلمة حق.
ومن هنا نفهم لماذا بقيت هذه الأمة عبر القرون قادرةً على النهوض بعد كل كبوة، لأن فيها دائمًا من يحمل شعلة التذكير، ومن يذكّر الناس بأن الخير ليس فكرة قديمة، بل رسالة متجددة.
وحين يأتي العيد، تتجلى هذه الحقيقة بصورةٍ أقرب إلى القلب، فالعيد في معناه العميق ليس مجرد فرحٍ عابر، بل موسمٌ يتجدد فيه حضور المعروف بين الناس، تتقارب القلوب، وتُجبر الخواطر، ويجد الضعفاء نصيبهم من البهجة، وكأن المجتمع كله يعلن في تلك الأيام أن الخير ما زال حيًا في ضميره.
في العيد يتذكر الناس بعضهم، ويتسابقون إلى البرّ، وتصبح الرحمة لغةً عامة بين القريب والبعيد، وهذه ليست طقوسًا اجتماعية فحسب، بل هي امتدادٌ عملي لمعنى الآية الكريمة، حيث يتحول المعروف من مبدٍأ نظري إلى سلوكٍ يومي يعيشه الناس.
ولعل أجمل ما في هذه الأمة أن جذوة الخير فيها لا تنطفئ، قد تخفت أحيانًا، لكنها لا تغيب، لأن في كل جيلٍ من يوقظها ويعيدها إلى الوهج.
وقد بشّر النبي بهذه الحقيقة حين قال: «لا تزال طائفةٌ من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرّهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله».
إنه وعدٌ يسكب الطمأنينة في قلب التاريخ نفسه، فمهما تعاقبت العصور، ومهما اشتدت الفتن، يبقى في هذه الأمة من يحمل شعلة الحق، ومن يذكّر الناس بالخير إذا خبا، ويعيد للضمير صوته إذا خفت.
ومع حلول العيد، تتجدد هذه المعاني في صورةٍ أقرب إلى القلب، إذ يعود الناس إلى بعضهم بقلوبٍ ألين، وأيادٍ أسبق إلى البرّ، وكأن الأمة في تلك الأيام تستعيد سرّ قوتها الأول أن الخير فيها ليس فكرةً عابرة، بل روحًا تسري في أوصالها.
وهكذا يعود العيد كل عام، لا ليذكّر الأمة بفرحها فحسب، بل ليوقظ في ذاكرتها رسالتها التي لا تنتهي، رسالة أن يبقى المعروف حيًا بين الناس، وأن لا يصبح المنكر أمرًا مألوفًا.
فما دام في هذه الأمة قلبٌ ينبض بالخير، ولسانٌ يذكّر بالحق، ويدٌ تمتدّ بالإصلاح، فإن جذوتها ستظل متقدة، وسيظل العيد شاهدًا على أمةٍ تتجدد بالحياة كلما ظنّ التاريخ أنها أوشكت على الأفول.
عيدٌ يعود... وأمةٌ لا تنطفئ.
كل عامٌ وأنتم بخير..