فاطمة آل مبارك
في صباح العيد، مع طلوع الفجر، تبدأ البيوت في الاستيقاظ على عبق القهوة والهيل، وتمتزج برائحة العود الفاخر الذي يملأ الأرجاء لاستقبال العيد كضيفٍ عزيز. تتجمع الأسر لأداء صلاة العيد، تلك اللحظة التي تتوحد فيها القلوب بالشكر والتضرع، لتملأ الروحانية كل زاوية من المنزل. بعد الصلاة، تمتلئ المجالس بزوارها، وتعلو ضحكات الصغار وأيديهم الصغيرة التي تقبض على “العيدية” وكأنها كنز العالم بأسره.
يحلّ العيد بوصفه شعيرة عظيمة، تتجلى فيها معاني الفرح بفضل الله ورحمته، وتتويجًا لرحلة إيمانية تُزكّي النفس وتقرّبها من خالقها. وهو في جوهره مساحة إنسانية تتجدد فيها صلة الأرحام، وتُطوى صفحات الخلاف، وتُبعث التهاني التي تعيد دفء العلاقات. ليبقى العيد رمزًا للوحدة والسكينة قبل أن يكون مظهرًا للاحتفال. فالفرح فيه عبادة تُجسّد الامتنان، وتُعبّر عن تلاحم إنساني صادق.
هذا المشهد امتدادًا لذاكرة أعياد الماضي، ففي الذاكرة القريبة، كان العيد أكثر بساطة، لكنه أعمق أثرًا. كان يحلّ ضيفًا خفيفًا، تملأ بركته البيوت والطرقات، حيث كانت البساطة هي المحرّك الأول للبهجة. يجد الأطفال متعتهم في أبسط العيديات، وتجد الأسر بهجتها في اللقاءات غير المتكلّفة. البيوت مفتوحة، والزيارات غير مجدولة، والعلاقات تنبض بعفويتها بين الأقارب والجيران. لم تكن قيمة العيد تُقاس بما يُقدَّم، بل بما يُشعَر به، ولا بما يُنفق، بل بما يُمنح من حضورٍ صادق ودفءٍ إنساني.
ومع مرور الزمن، بدأت ملامح العيد تتغيّر تدريجيًا، ففي عصرنا الراهن، ومع تسارع التحولات، لم يبقَ العيد ثابتًا على حاله، إذ أخذت المظاهر تحل تدريجيًا محل البساطة كعنوان رئيسي. أصبحت التحضيرات المسبقة ذات تكلفة عالية استجابةً لضغط اجتماعي غير معلن، وتحولت بعض ممارسات العيد إلى معايير للمقارنة، من العيديات إلى الضيافة، وحتى شكل الزيارات وتنظيمها.
وفي عالم وسائل التواصل، تتكثف هذه الصورة حيث تُعرض لحظات منتقاة بعناية، تصنع نموذجًا مثاليًا للعيد، يبدو مكتملًا وخاليًا من النقص. هذا النموذج لا يُلهم بقدر ما يُثقِل، إذ يدفع كثيرين إلى مقارنة واقعهم بتلك الصور، فينشأ شعور خفي بعدم الكفاية، رغم أن واقعهم قد يكون أكثر صدقًا وإنسانية.
مع السعي نحو المثالية، يتحوّل العيد من تجربة تُعاش إلى مشروع ينبغي إتقانه، ينشغل البعض بالتفاصيل وردود الفعل والصور الملتقطة، فيفقدون القدرة على التمتّع باللحظة البسيطة: حديث عابر، ضحكة صادقة، أو لقاء دافئ. تتحول العلاقات من قرب حقيقي إلى قائمة مهام، ويصبح الحضور شكليًا أكثر منه وجدانيًا.
وحين يسكن الكمال الأعياد، تنسحب البساطة، فتتحوّل بعض مظاهرها إلى استعراض يُثقل العلاقات ويولد ضغط المقارنة. ومع ذلك، لا يعني هذا رفض الحاضر، بل استعادة التوازن، فالعيد يمكن أن يكون معاصرًا دون أن يفقد جوهره الإنساني وروحه البسيطة.
ومع ذلك، لا يعني هذا رفض الحاضر، بل الدعوة إلى إعادة التوازن. فالقيمة الحقيقية للعيد لا تكمن في استنساخ الماضي، بل في استعادة معناه. يمكن للعيد أن يكون معاصرًا دون أن يفقد روحه، وأن يتسع للمستجدات دون أن يتنازل عن جوهره.
في هذا السياق، تظهر نماذج من الأسر الواعية، حيث ينسحب البعض من سباق التكلّف، وتختار أسر أخرى البساطة عن قناعة. فتقدّم هذه النماذج مساحة أكثر راحة للعيد، تخفف ضغط المقارنة وتعيد له جوهره الإنساني. نراهم يُفضّلون اللقاء القصير مع فنجان قهوة على سباق الهدايا الباذخة، ويمنحون الأطفال متعتهم في أبسط العيديات، بينما يجد الكبار متعة صادقة في الحديث العفوي والضحكات المشتركة. حتى في ظل صور مثالية تُعرض على وسائل التواصل، يمكن لكل أسرة أن تصنع نسختها الخاصة من العيد، محافظة على الدفء والصدق، بعيدًا عن المثالية المصطنعة والضغوط المادية والاجتماعية. فالفرح الحقيقي لا يُقاس بما نملك، بل بما نعيشه مع من حولنا، وبما يعيد للعيد مساحته الحقيقية: مساحة للصدق والطمأنينة، لا للعرض والمقارنة.
صفوة القول، إن استعادة العيد لا تحتاج إلى أكثر من العودة إلى جوهره الأول: أن نكون فيه كما نحن، لا كما يُراد لنا أن نبدو. أن نبحث عن الفرح في حضوره البسيط، لا في صورته المكتملة. وهنا تبرز مسؤولية الخطاب الاجتماعي، ومنصات التواصل، في إعادة تشكيل الوعي نحو قيمة “الكفاية”، وإحياء نماذج أكثر إنسانية، تُعيد للعيد معناه.
«وكل عام وأنتم بخير، عيدٌ يحمل لكم الطمأنينة، ويعيد للأيام بساطتها ودفئها».