د. طارق بن محمد بن حزام
يرحل رمضان كما يرحل الضيف العزيز، تاركًا في القلوب أثره، وفي الأرواح عبيره، غير أن رحيله لا يعني أن تنطفئ مصابيح الطاعة التي أضاءها في النفوس؛ فربُّ رمضان هو ربُّ سائر الشهور، والعبادة ليست موسمًا عابرًا، بل عهدٌ ممتدّ ما دامت الأرواح في الأجساد. قال تعالى: (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ).
لقد أظلّتنا في رمضان ساعاتٌ عامرة بالقيام، وأيامٌ معطّرة بالقرآن والدعاء، فصفَت القلوب، ورقّت الأرواح، واقتربت النفوس من بارئها. وليس أصدق لرمضان من أثرٍ يبقى بعده؛ فدوام الطاعة هو برهان القبول، وقد قال النبي – صلى الله عليه وسلم -: «أحبُّ الأعمال إلى الله أدومها وإن قل».
فليحفظ المؤمن ما غرسه رمضان في قلبه من نور الطاعة، وليجعل الصلوات عماد يومه، والقرآن أنيس روحه، والدعاء زاد طريقه، وليصن لسانه وبصره وقلبه؛ فإن صلاح الظاهر ثمرة صفاء الباطن.
وأحيوا قلوبكم بالصدقات، ووصل الأرحام، ولا تهجروا قيام الليل ولو بركعة وتر، وصوموا من النوافل ما تيسر، وفي مقدمتها ستة أيام من شوال؛ فذلك من تمام الفضل وكمال الأجر.
إن الاستقامة بعد المواسم أعظم الكرامة، ومن شكر نعمة رمضان أن يبقى أثره في السلوك والعمل، قال تعالى: (لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ).
وليس العيد بثوبٍ جديد، بل بقلبٍ قريب من الله، وطاعةٍ تتجدد، ونفسٍ فازت بالمغفرة والرضوان.
فليكن رمضان بداية طريقٍ لا نهاية موسم، وزادًا يمتد أثره في الأيام كلها، حتى نلقى الله بقلوبٍ ثابتة على طاعته، راجيةٍ رحمته، مستبشرةً بفضله.
وختامًا.. كل عام وأنتم بخير، تقبّل الله منا ومنكم صالح الأعمال، وجعل العيد فرحًا يملأ القلوب، وسكينةً تعمّ الأرواح، وبركةً تمتد في الأعمار والأيام.