فائز بن سلمان الحمدي
ليس العيد كما يظنه كثير من الناس ثوبا جديدا يلبس، ولا موائد عامرة تتكاثر عليها الأطباق، ولا كلمات تهنئة عابرة تتقاذفها الهواتف كما تتقاذف الرياح أوراق الخريف. فهذه مظاهر تبرق في العين لحظة ثم تنطفئ، وتزهو قليلا ثم تنقضي، ولا تترك في القلب أثرا إلا كما يترك البرق في الليل ومضة عابرة لا تدفئ بردا ولا تضيء طريقا.
العيد في حقيقته أعمق من ذلك وأبقى. إنه ساعة صفاء تعود فيها القلوب إلى بساطتها الأولى، ونسمة رحمة تمر على الأرواح المتعبة فتغسل عنها غبار الأيام. إنه اللحظة التي يتذكر فيها الإنسان أنه لم يُخلق ليعيش في صخب الحياة وحده، بل ليجد في بيته سكينة تأوي إليها روحه كما تأوي الطيور إلى أعشاشها عند الغروب.
وما البيت في حقيقته جدران قائمة وسقوف مرفوعة، وإنما هو قلب يسكنه الحب، وروح تسري فيها الرحمة. كم من بيت شُيد بالرخام، وازدانت جدرانه بالزينة، وازدحمت غرفه بالأثاث، ولكنه بقي باردا موحشا كأن السكينة لم تعرف طريقه. وكم من منزل متواضع ضاقت جدرانه واتسعت فيه القلوب حتى صار لأهله فردوسا صغيرا يلوذون به كلما أثقلتهم الحياة. البيوت المطمئنة لا تبنى بالحجارة، بل تبنى بالكلمة الطيبة، وبالرحمة التي تسري في العيون قبل أن تنطق بها الشفاه. يدخل الإنسان بيته فيشعر أن تعب الطريق قد سقط عن كتفيه، وأن ضجيج الدنيا قد خمد في صدره، وأن بين هذه الجدران قلوبا تعرفه كما تعرف الأم دقات قلب طفلها، وتضمه كما يضم الليل نجومه إلى صدره الهادئ.
هناك فقط يعرف الإنسان معنى البيت. هناك فقط يشعر أن لهذا العالم ركنا آمنا يضع فيه قلبه حين يتعب. وحين يطل العيد، فإن أول ما تحتاجه القلوب ليس الأضواء ولا الضجيج، بل بيتا دافئا تسكنه الرحمة. بيتا يشعر فيه الأبناء أن هذا المكان ليس محطة عابرة في حياتهم، بل هو المرفأ الذي تعود إليه أرواحهم كلما تلاطمت بها أمواج الأيام.
فإذا سكنت الرحمة البيت عاد إليه الأبناء كما تعود الطيور إلى أعشاشها عند المساء، مهما ابتعدت بهم الطرق، ومهما أغرتهم الدنيا ببريقها الكاذب. لأن القلب يعرف موطنه كما تعرف الجذور تربتها، ولا يخدعه لمعان العابرين. أما إذا غاب الدفء، وتحول البيت إلى ساحة صراخ، وميدان غضب، ومكان تتكاثر فيه الكلمات القاسية كما يتكاثر الشوك في الطريق، فإن القلوب الصغيرة تبدأ في الرحيل بصمت موجع. لا تصرخ، ولا تعلن فراقها، لكنها تنسحب رويدا رويدا، وتبحث عن دفء آخر، وعن صدر آخر، وعن مكان تظنه مأوى، وربما لم يكن إلا سرابا يلمع في البعيد ثم يترك الروح أكثر وحدة.
ولهذا فإن من أعظم معاني العيد أن يعيد الإنسان إلى بيته قلبه الذي أضاعه في صخب الأيام. أن يجلس الناس حول مائدة واحدة فتذوب بينهم الجفوات، وتتصافح الضحكات، ويتذكر الجميع أن بينهم من المودة ما هو أعمق من خلافات عابرة، وأبقى من ضجيج الحياة. فالبيت الذي تصنع فيه الذكريات الدافئة لا يموت أبدا. يظل حيا في القلب حتى بعد أن تغيب وجوه أهله، لأن الأرواح لا تنسى المكان الذي شعرت فيه يوما أنها آمنة.
أما الكلمات الجارحة فليست لحظات عابرة كما يظن الناس، بل جراح خفية في الذاكرة. كم من كلمة قاسية بقيت في القلب سنين، وكم من صرخة صنعت بين قلبين مسافة صامتة لا تجسرها الأيام. ولهذا فإن أجمل ما يمكن أن يهديه الناس لبعضهم في العيد ليس الحلوى ولا الهدايا ولا الموائد العامرة، وإنما الرحمة. رحمة في الكلمة، ورحمة في النظرة، ورحمة في الاختلاف. فإذا سكنت الرحمة البيوت تحولت أيام العيد فيها إلى حدائق من السكينة. يجلس أهلها وكأنهم يلتقون لأول مرة، ويشعر الأبناء أن هذا البيت ليس مكانا ينامون فيه فحسب، بل حضن كبير يتسع لهم مهما كبروا.
وعندها يصبح العيد عيدين: عيد في الخارج تعلو فيه تكبيرات الفرح وتمتلئ الطرقات بالأنوار، وعيد في الداخل تعلو فيه همسات المودة وتمتلئ البيوت بالسكينة. فاجعلوا بيوتكم في العيد مرافئ أمان، ومجالس رحمة، وملاذا للقلوب المتعبة. ازرعوا فيها الكلمات الطيبة، واسقوها بالعفو، وأضيئوا زواياها بالمحبة. فالبيت الذي تسكنه الرحمة يصبح وطنا صغيرا للروح، والبيت الذي تمتلئ جدرانه بالمودة لا يعرف أهله معنى الغربة. أما البيت الذي يسكنه الحنان، فإن أبناءه ـ مهما ابتعدوا ـ يظلون مشدودين إليه بخيوط القلب... لأن البيت الذي تقيم فيه الرحمة لا يهرب منه أحد.