د. طلال الحربي
حين تضطرب السماء، تبقى الأرض ملاذاً. وهذا بالضبط ما أثبتته المملكة العربية السعودية منذ اندلعت موجة التوترات العسكرية في المنطقة مطلع مارس الجاري، حين بدأت أجواء عدد من دول الشرق الأوسط تُغلق أو تُقيَّد واحدة تلو الأخرى، وتجد شركات الطيران نفسها أمام معادلة صعبة لم تكن في حسبانها.
في خضم هذا كله، كانت وزارة النقل والخدمات اللوجستية بقيادة معالي الوزير صالح الجاسر تعمل بهدوء ومن دون ضجيج لتضمن أن المسافر السعودي وغيره لن يجد نفسه عالقاً بلا خيار. لم تنتظر الوزارة أن تتضح الصورة كاملاً لتبدأ التحرك، بل كانت الخطط تتشكَّل بالتوازي مع تطور الأحداث، وهذا هو الفارق بين إدارة تعيش اللحظة وإدارة تسبقها.
مطارات المملكة أصبحت في هذه الفترة أكثر من مجرد منافذ سفر وطنية. صارت ملاذاً لشركات طيران خليجية باتت تحتاج إلى نقطة انطلاق آمنة بعد أن تعذَّر عليها استخدام مجالاتها الجوية المعتادة. وما أتاح ذلك هو ما بنته المملكة خلال السنوات الماضية من بنية تحتية جوية على مستوى عالمي، بإمكانيات استيعاب وخدمات أرضية تجعل التشغيل من أراضيها خياراً طبيعياً لا بديلاً اضطرارياً.
لكن الصورة لم تكتمل بالطيران وحده. وهنا برزت «سار» بشكل لافت كواحدة من أذكى الإجابات على أسئلة هذه المرحلة. قطارات المملكة، من الرياض إلى الدمام ومن الرياض نحو الشمال، حملت آلاف المسافرين الذين وجدوا في السكة الحديد بديلاً مريحاً وآمناً وفعلياً، لا مجرد خيار اضطراري يُقبل على مضض. من ركب هذه القطارات في تلك الفترة وجد نفسه في مقعد مريح وخدمة احترافية وراحة تجعل الرحلة تجربة لا مجرد وسيلة إيصال. وهذا المستوى لم يأتِ صدفةً، بل هو ثمرة رؤية نقلية متكاملة تسعى لربط أرجاء المملكة بشبكة تليق بحجم البلد وطموحه.
والمشهد لم يتوقف عند المطارات والقطارات. الموانئ السعودية كشفت في هذه الأزمة عن دور لم يكن واضحاً لكثيرين من قبل صارت الرئة التي تتنفس منها دول الخليج حين ضاقت منافذها البحرية الأخرى. الموانئ السعودية تحولت إلى مراكز ارتكاز للتجارة الخليجية، تعمل بكامل طاقتها لاستيعاب حركة البضائع واستمرار سلاسل الإمداد لدول المنطقة. شركات الشحن ووكلاء التجارة في دول الخليج وجدوا في الموانئ السعودية الشريك الأكثر قدرة وجاهزية، وهذا لم يكن وليد اللحظة، بل نتاج استثمارات ضخمة ورؤية بعيدة المدى في تطوير المنظومة اللوجستية للمملكة.
ما كشفته هذه الأزمة في الحقيقة أكبر مما يبدو على السطح. كشفت أن الوزارة لا تُدار بعقلية رد الفعل، بل بعقلية الاستعداد المسبق. الخطط الطموحة التي طالما تحدث عنها معالي الوزير صالح الجاسر لم تكن ترفاً تنموياً، بل كانت كما تبيَّن خط دفاع أول في مواجهة المجهول. والمسافر الذي وصل إلى وجهته بسلاسة، والبضاعة التي لم تتوقف في منتصف الطريق، هما الدليل الأصدق على ذلك.
هذه هي السعودية حين تشتد الخطوب تفتح قلبها قبل أن تفتح مطاراتها وموانئها ومعابرها الحدودية. لا تنتظر أن يُطلب منها الدور، بل تبادر إليه لأنها تعرف أن ما يجمع هذه المنطقة أعمق من أي أزمة عابرة. المملكة العظمى لا تُقاس بما تملك فحسب، بل بما تمنح حين يحتاج لها جيرانها.
المملكة العربية السعودية تبقى، في كل الأحوال، ملاذاً لمن يلجأ إليها لأنها قرّرت أن تكون كذلك، وبنت ما يلزم لتحقيق هذا القرار. حفظ الله هذه البلاد وقيادتها وشعبها، وأدام عليها الأمن والاستقرار اللذين يجعلانها قادرة على العطاء حتى حين يضيق العالم من حولها.