أحمد بن محمد الغامدي
في الوقت الذي يتجه فيه العالم نحو «صفر انبعاثات»، لا تكتفي المملكة بمواكبة التحول العالمي في مجال الطاقة، بل تقوده باقتدار، فمن قلب الصحراء ومساحات الشمس الشاسعة، بدأنا نخطو خطوات واثقة لتحويل «الهيدروجين الأخضر» من مجرد طاقة بديلة إلى ركيزة استراتيجية تعيد صياغة مفهوم السيادة في الطاقة، هذا الطموح لم يكن ليرى النور لولا الدعم اللامحدود والمتابعة الدقيقة من لدن صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء -يحفظه الله-، الذي جعل من الهيدروجين الأخضر أحد أهم مستهدفات رؤية المملكة 2030، بوصفه وقوداً للمستقبل ومحركاً لاقتصاد ما بعد النفط.
كيف تربعنا على القمة؟ سؤال يطرح نفسه بعد قصة نجاح سعودية مٌلهمة في الطاقة البديلة، تحتاج أن نستنسخها في كثير من المجالات والقطاعات، حيث لم يكن تحول المملكة إلى الريادة العالمية في الهيدروجين الأخضر محض صدفة، بل نتيجة تضافر عوامل جيوسياسية وطبيعية فريدة، فالمملكة تمتلك أقل تكلفة لإنتاج الطاقة الشمسية وطاقة الرياح عالمياً، وهي المكونات الأساسية لإنتاج الهيدروجين الأخضر، هذه الميزة التنافسية جعلت السعودية «المكان الأمثل» لإنتاج وقود المستقبل، وهي اليوم تسير بعزيمة أبهرت المراقبين الدوليين، محولةً التحديات البيئية إلى فرص ذهبية.
عند الحديث عن الهيدروجين الأخضر، تبرز «نيوم» كأيقونة لهذا التحول، وتحديداً من خلال مشروع الهيدروجين الأخضر الضخم في مدينة «أوكساجون»، هذا المشروع الذي يعد الأكبر من نوعه عالمياً، يجسد طموح المملكة في إنتاج نحو 600 طن يومياً من الهيدروجين الخالي من الكربون، «أوكساجون» ليست مجرد مدينة صناعية، بل مشروع «يبيض الوجه» أمام العالم، ويؤكد أن الأحلام الكبرى تتحول في أرضنا إلى واقع ملموس.
الطموح المحلي بدأ يترجم إلى واقع دبلوماسي واقتصادي دولي عابر للقارات، فبجانب الشراكات التقليدية، تبرز تجربة التعاون مع الهند كنموذج رائد للعمل المشترك في هذا القطاع؛ حيث وقعت المملكة مذكرات تفاهم استراتيجية مع الجانب الهندي تهدف إلى تطوير سلاسل الإمداد للهيدروجين الأخضر والاستثمار المشترك في تقنياته، كما أكد وزير الاستثمار المهندس خالد الفالح، أن المملكة تستعد لبدء تصدير الهيدروجين الأخضر إلى اليابان، الشريك الاستراتيجي الثالث للمملكة، امتداد لشراكة تاريخية شهدت نمو التبادل التجاري إلى 138 مليار ريال، واليوم، تفتح المملكة أبوابها للشركات اليابانية للاستثمار في تقنيات الهيدروجين، مما يعزز تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر التي تجاوزت تريليون ريال، ويؤكد أن الهيدروجين السعودي هو الجسر الجديد الذي سيربط اقتصادنا بالعالم.
لا يقتصر مستقبل الهيدروجين الأخضر في السعودية على التصدير فحسب، بل يمتد ليكون محركاً للصناعات المحلية، نحن أمام مرحلة تاريخية تتحول فيها المملكة إلى «عاصمة الطاقة العالمية» بمفهومها الشامل، حيث سيظل الهيدروجين الأخضر هو الرهان الرابح لضمان مستقبل مزدهر.