صالح الشادي
منذ أن وجد الإنسان على هذه الأرض، وهو يعيش صراعاً مع غيره على الموارد أو الحدود أو الكرامة. لكن التأمل العميق في تاريخ الحروب الطاحنة يكشف لنا حقيقة مرة: أن أكثر هذه الحروب دموية لم تكن تلك التي نشبت بسبب صراع على قطعة أرض، بل تلك التي تغذت من أفكار تحولت إلى عقائد جامدة ويقينيات لا تقبل المساءلة.
تدمير الأوكار قد يكون هدفاً عسكرياً مؤقتاً، لكن تدمير الأفكار، أو بالأحرى احتواؤها هو المعركة الأبقى. فالحرب بالسلاح تنتهي بمعاهدة، لكنها تترك جذوراً تمتد في عمق الأرض لتنبت حروباً جديدة. أما الحرب بالفكر، فإذا أُحسنت إدارتها، يمكنها أن تحول الأعداء إلى جيران، والخصوم إلى شركاء. نحن نعيش اليوم في عالم تتداخل فيه الثقافات وتتصادم فيه القناعات، كما لم يحدث من قبل. الصهيوني يعتقد أنه على حق، والشيعي على يقين من صحة مذهبه، والسني متمسك بفهمه، والسيخي مخلص لمعتقده. كل هذه القناعات ليست مجرد آراء عابرة، بل هي موروثات مقدسة تشكلت عبر قرون. التعامل معها بخشونة الرفض هو وصفة مؤكدة لصراع لا ينتهي.
هنا يكمن دور الحكمة: أن نفهم أن الحجة لا تُدحض إلا بالحجة، والرأي لا يواجه إلا بالرأي. هذا هو جوهر الاستعداد الفكري الذي نحتاجه في عالمنا الإسلامي أولاً، وفي علاقتنا مع الآخر ثانياً. لقد منحنا الله عقولاً لنفكر، وهدانا سبل الخير لنختار، وجاء في القرآن الكريم: «ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ». هذه الآية تمثل دستوراً في إدارة الاختلاف، ترفعنا إلى مرتبة أرقى: أن نقدم رسالتنا بأجمل صورة، وأن نحاور بالتي هي أحسن.
وفي هذا السياق، أدركت المملكة العربية السعودية باكراً أن المعركة الأعمق هي معركة القناعات، وأن السلام الحقيقي لا يُصنع بالاتفاقيات السياسية وحدها. فكانت مبادرة الملك عبدالله بن عبدالعزيز -رحمه الله- التاريخية عام 2007 بلقاء البابا بنديكتوس السادس عشر، والتي توجت بمؤتمر مدريد العالمي للحوار بين أتباع الأديان. لم تكن تلك مجرد لقاءات بروتوكولية، بل كانت إعلاناً عن رسالة سعودية للعالم: أن الإسلام دين الوسطية والتسامح، وأن الحوار البناء بين أتباع الأديان هو السبيل الوحيد لسلام دائم. وتطورت هذه الرؤية إلى «مركز الملك عبدالله بن عبدالعزيز العالمي للحوار» (كايسيد)، الذي جمع قيادات دينية من الإسلام والمسيحية واليهودية والبوذية والهندوسية، ليكون منصة فريدة تجمع صانعي السياسات والقيادات الدينية على طاولة واحدة. وفي امتداد طبيعي لهذا النهج، جاء عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز ليؤكد أن السلام ليس شعاراً يرفع، بل التزام عملي يترجم إلى أفعال. فكان «مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية» الذي حول رسالة المملكة الإنسانية إلى واقع ملموس على الأرض. مساعدات تصل إلى اليمني والفلسطيني والصومالي، إلى المسلم والمسيحي والبوذي، دون تفرقة. إنها تجسيد حي لرسالة الإسلام الإنسانية، وللرؤية السعودية التي تؤمن بأن كرامة الإنسان فوق كل اعتبار.
واليوم، ومع انطلاق رؤية المملكة 2030، يتسع هذا النهج ليشمل أبواباً جديدة من الانفتاح على العالم. فلم يعد التواصل يقتصر على الحوار الديني والإغاثي فحسب، بل امتد ليشمل الاقتصاد والثقافة والترفيه والسياحة. مواسم الرياض وفعالياتها الثقافية، وافتتاح أبواب المملكة للسياح من كل حدب وصوب، واستضافة الفعاليات الرياضية والفنية العالمية، كلها ليست مجرد أنشطة ترفيهية عابرة، بل هي امتداد لرؤية متكاملة: بناء جسور مع العالم، وتعريف الآخر بوجه المملكة المشرق، وإثبات أن الانفتاح الحضاري لا يتعارض مع الأصالة والدين، بل يكملهما.
إن استضافة آلاف السياح من مختلف الجنسيات والثقافات، وتنظيم المهرجانات التي تجمع شعوب العالم على أرض المملكة، وإطلاق المشاريع الاقتصادية العملاقة التي تشرك العالم في رؤيتها، كلها تؤكد أن السعودية اليوم لم تعد تكتفي بدعوة العالم للحوار، بل أصبحت منصة يلتقي فيها العالم ليعمل ويعيش ويستمتع معاً.
هكذا نرى كيف تترجم المملكة رؤيتها للتعايش والسلام إلى واقع عملي: حوار للأديان يزيل سوء الفهم، وإغاثة إنسانية تخفف المعاناة، وانفتاح اقتصادي وترفيهي يجمع الناس على الحب لا على الكراهية. إنها رسالة واحدة بثلاثة أوجه: أن السلام الحقيقي يبدأ من الفكر، ويتغذى على الفعل الإنساني، ويتوج بلقاء البشر بعضهم ببعض في فرح وسلام.
في زمن الانفتاح التقني والإعلامي الهائل، لم تعد الشعوب تلك الكتلة الصماء التي تُقاد دون وعي. اليوم، المواطن العادي في أي بقعة من العالم يمكنه أن يطلع على ثقافات الآخرين ومعتقداتهم بضغطة زر. هذا الانفتاح يحمل خطرين: إما أن يزيد الاحتقان إذا تُرك لمن يبثون السموم، وإما أن يبني جسوراً من التفاهم إذا أحسن العقلاء استغلاله. والمملكة اليوم تقدم نموذجاً للإنسان المعاصر: إنسان يعتز بدينه وهويته، لكنه في الوقت نفسه منفتح على العالم، واثق من نفسه، قادر على الحوار، ومستعد للسلام.
نحن لا نطالب أحداً بالتفريط في مقدساته أو التخلي عن قناعاته. هذا غير ممكن ولا مطلوب. لكننا نطالب بأن نفهم جميعاً أن اليقين المطلق بامتلاك الحقيقة وحدها هو بداية الطريق إلى الجحيم. التاريخ يعلمنا أن الحضارات لم تزدهر بالقوة العسكرية وحدها، بل بازدهار الفكر، وتسامح الأديان، وتعايش الثقافات، وانفتاح الاقتصاد، ولقاء البشر على اختلافهم.
حان الوقت لنتعلم أن الحرب التي تبدأ بفكرة لا تنتهي إلا بفكرة أفضل منها. وأن قوة الرأي لا تُختبر بقدرته على الإلغاء، بل بقدرته على الإقناع. وأن السلام ليس غياب الحرب فقط، بل هو حضور الإنسان، بكل تنوعه وثرائه، في فضاء واحد من الاحترام المتبادل والعيش المشترك.