جانبي فروقة
في التاريخ القديم كان مفهوم السلام العالمي يرتبط بالقوة العسكرية وقد أطلق المؤرخون على الحقبة الزمنية التي امتدت بين عامي 27 قبل الميلاد و180 ميلادي ب باكس رومانا Pax Romana وهي الحقبة التي فرضت فيها الإمبراطورية الرومانية نوعًا من الاستقرار عبر البحر المتوسط بفضل جيشها القوي وشبكات الطرق والتجارة والقانون الروماني، وكان السلام آنذاك نتيجة الهيمنة العسكرية والسياسية؛ فالسيوف والجيوش والأساطيل كانت أدوات القوة لصنع النظام العالمي. أما اليوم، وبعد ألفي عام تقريبًا بدأ بعض المفكرين في الجيوسياسة والتكنولوجيا يتحدثون عن مفهوم جديد يدعونه باكس الذكاء الاصطناعي Pax AI. والفكرة ليست أن التاريخ يعيد نفسه حرفيًا بل أن طبيعة القوة التي تصنع الاستقرار العالمي تتغير: ففي القرن الحادي والعشرين لم تعد القوة تقتصر على الجيوش والحدود، بل أصبحت تشمل البيانات والشبكات والحوسبة والذكاء الاصطناعي وفي قلب هذا التحول يقف وصف لافت قدمه جنسن هوانغ Jensen Huang الرئيس التنفيذي لشركة انفيديا NVIDIA عندما شبّه منظومة الذكاء الاصطناعي بكيكة متعددة الطبقات وهذا التشبيه البسيط يخفي وراءه حقيقة عميقة وهي أن الذكاء الاصطناعي ليس مجرد خوارزمية بل منظومة صناعية متكاملة تتكون من خمس طبقات مترابطة تبدأ بطبقة القاعدة وهي الطاقة (Energy) وتنتهي بـ التطبيقات (App). هذا «الكيك التكنولوجي» أصبح اليوم أحد أهم ميادين التنافس بين الدول والشركات لأن من يملك هذه الطبقات الخمس قد يمتلك مفاتيح القوة للمستقبل الاقتصادي والتكنولوجي. تبدأ منظومة الذكاء الاصطناعي من أبسط عنصر يبدو بعيدًا عن التكنولوجيا وهو الطاقة (Energy) فالذكاء الاصطناعي يستهلك كميات هائلة من الكهرباء لأن تشغيل مراكز البيانات وتدريب النماذج الضخمة يتطلب قوة حوسبة هائلة ووفق تقرير لهيئة الطاقة الدولية International Energy Agency قد يصل استهلاك مراكز البيانات عالميًا إلى نحو 1000 تيراواط ساعة سنويًا بحلول 2026 وهو رقم يقارب من استهلاك دولة كاملة مثل اليابان، أما تقرير غولدمان ساكس Goldman Sachs فيشير إلى أن الطلب على الكهرباء المرتبط بالذكاء الاصطناعي قد يرتفع بنحو 160% بحلول عام 2030 وهذه الأرقام تفسر لماذا أصبحت الطاقة عنصرًا إستراتيجيًا في سباق الذكاء الاصطناعي فالدول التي تمتلك طاقة وفيرة ورخيصة يمكنها تشغيل مراكز بيانات أكبر وتشغيل نماذج أكثر تقيدًا وهنا تظهر ميزة واضحة لدول الخليج العربي مثل السعودية والإمارات التي تمتلك موارد طاقة ضخمة ويمكنها أن تستثمر بقوة في الطاقة الشمسية والنووية وبعد طبقة الكيك الأولى للطاقة تأتي الطبقة الثانية في كيكة الذكاء الاصطناعي وهي الرقائق (Chips) أو ما يعرف بأشباه الموصلات وهذه الرقائق هي العقول الصغيرة التي تشغل الخوارزميات ومن دونها لا يمكن تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي ولا تشغيلها ووفق شركة الأبحاث Gartner فإنه من المتوقع أن يتجاوز حجم سوق رقائق الذكاء الاصطناعي 400 مليار دولار بحلول عام 2032 وتعد شركة NVIDIA اللاعب الأبرز في هذا المجال إذ وصلت قيمتها السوقية في عام 2024 إلى أكثر من 3 تريليونات دولار وهو رقم يعكس أهمية هذه الصناعة في الاقتصاد الرقمي.
ولهذا السبب أصبحت الرقائق ساحة صراع جيوسياسي بين القوى الكبرى حيث تفرض الولايات المتحدة قيودًا على تصدير الرقائق المتقدمة إلى الصين في محاولة لإبطاء سباق الذكاء الاصطناعي العالمي.
وأما الطبقة الثالثة فهي البنية التحتية (Infrastructure) وهي الأكثر تكلفة وتعقيدًا وتشمل هذه الطبقة مراكز البيانات العملاقة وشبكات الألياف الضوئية وأنظمة الحوسبة السحابية التي تسمح بتشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي على نطاق عالمي وتشير تقديرات شركة ماكنزي McKinsey الجزيرة Company إلى أن بناء البنية التحتية العالمية للذكاء الاصطناعي قد يتطلب استثمارات تتجاوز 7 تريليونات دولار بحلول 2030 ولهذا نرى شركات التكنولوجيا العملاقة مثل مايكروسوفت Microsoft وأمازون Amazon وغوغل Google تعلن عن استثمارات ضخمة في مراكز البيانات حيث قد تتجاوز نفقاتها مجتمعة 200 مليار دولار سنويًا خلال السنوات القادمة، وهذه البنية التحتية أصبحت أشبه بالطرق الرومانية في عصر Pax Romana لكنها اليوم ليست طرقًا حجرية بل شبكات رقمية تحمل البيانات بسرعة الضوء.
وأما الطبقة الرابعة فهي النماذج (Models)فبعد بناء الطاقة والرقائق والبنية التحتية تأتي الطبقة الرابعة هي النماذج (Models) وهذه هي الطبقة التي يتحدث عنها الناس غالبًا عندما يذكرون الذكاء الاصطناعي من النماذج اللغوية الكبيرة وأنظمة التعلم العميق. لكن بناء هذه النماذج أصبح مشروعاً مكلفاً للغاية وتشير تقديرات الصناعة إلى أن تدريب نموذج متقدم مثل GPT-4 قد يكلف أكثر من 100 مليون دولار بينما قد تتجاوز تكلفة النماذج القادمة مليار دولار للتدريب الواحد، وهذا يفسر لماذا تهيمن شركات التكنولوجيا الكبرى على تطوير النماذج، لأنها تمتلك الموارد المالية والبنية التحتية اللازمة لتدريبها.
وفي قمة كيكة الذكاء الاصطناعي تأتي الطبقة الخامسة وهي التطبيقات (Applications) وهذه هي الطبقة التي يلمسها الناس في حياتهم اليومية وهي التطبيقات الذكية في الصحة والصناعة والتمويل والتعليم والمدن الذكية. ووفق تقرير PwC قد يضيف الذكاء الاصطناعي نحو 15.7 تريليون دولار إلى الاقتصاد العالمي بحلول عام 2030. كما تشير تقديرات ماكنزيMcKinsey إلى أن الذكاء الاصطناعي التوليدي وحده قد يضيف نحو 4.4 تريليون دولار سنويًا للاقتصاد العالمي. والمثير للاهتمام أن أكثر من 60% من هذه القيمة الاقتصادية ستأتي من التطبيقات الصناعية وليس من تطوير النماذج نفسها. وسط هذا السباق العالمي بدأت دول الخليج تتحرك بسرعة لبناء موقع لها في منظومة الذكاء الاصطناعي. تسعى المملكة العربية السعودية إلى بناء اقتصاد قوي للذكاء الاصطناعي ضمن رؤية 2030 مع استثمارات تُقدَّر بنحو 20 مليار دولار في هذا القطاع بينما تشير تقديرات PwC إلى أن الذكاء الاصطناعي قد يضيف نحو 135 مليار دولار للاقتصاد السعودي بحلول 2030 أي ما يقارب من 12% من الناتج المحلي وكذلك تستثمر الإمارات في الذكاء الاصطناعي وتتوقع أن يصل إسهامه إلى نحو 96 مليار دولار أو ما يعادل من 14% من الناتج المحلي بحلول 2030 م وعلى مستوى المنطقة تشير
التقديرات إلى أن الذكاء الاصطناعي قد يضيف نحو 320 مليار دولار لاقتصاد الشرق الأوسط بحلول 2030 ما يجعل المنطقة من أسرع الأسواق نموا في هذا المجال بحلول 2030 ما يجعل المنطقة من أسرع الأسواق نمواً في هذا المجال. ويرى الخبراء أن الفرصة الأكبر قد تتحقق إذا تحولت هذه الجهود الوطنية إلى منظومة خليجية مشتركة ويمكن تصور نموذج إستراتيجي يسمى Gulf AI Alliance يقوم على ركائز مثل تحالف الطاقة للذكاء الاصطناعي عبر إنشاء مراكز بيانات تعمل بالطاقة الشمسية والنووية وإنشاء صندوق خليجي للاستثمار في الرقائق لدعم صناعة أشباه الموصلات عالميًا وإنشاء شبكة مراكز بيانات خليجية موحدة تربط كل مدن الخليج وتطوير نماذج عربية (Arab AI Foundation Models) تخدم أكثر من 400 مليون ناطق بالعربية وأيضاً إنشاء منصة تطبيقات ذكاء اصطناعي مشترك للصناعات تشمل الطاقة والطيران والتمويل والمدن الذكية.
إن الدول التي ستقود العالم في القرن الحادي والعشرين لن تكون فقط تلك التي تملك الخوارزميات، بل تلك التي تبني الطبقات الخمس كاملة وفي زمن قد يطلق عليه بعض المفكرين اسم Pax AI، قد تصبح القوة الحقيقية ليست في عدد الجيوش، بل في عدد مراكز البيانات وفي قوة العقول الرقمية التي تديرها.
***
- كاتب أمريكي