د. عيسى محمد العميري
لقد أفرزت الحرب القائمة في منطقة الخليج العربي مفاهيم جديدة ضمن سياق تكاليف ومصاريف حروب العصر. وبشكل قياسي وكبير ومفاجئ للكثير من المراقبين العسكريين. ويُضاف لذلك تبعات الحرب الروسية الأكرانية وذلك فيما يخص حرب المسيَّرات.. وقد كان التغيير لافتاً في طبيعته وشكله ونوعه وكافة تفاصيله.. وهو الأمر الذي لم ينتبه له الخبراء العسكريين. وعلى الأخص بما يتعلَّق بموازنات الحروب العسكرية القائمة. فقد كشفت هذه الحرب عن تغييرات ملموسة بين تكلفة الصواريخ المتطورة المستخدمة في الهجوم أو الدفاع من أمريكا وإسرائيل، وبين التكلفة المتواضعة للطائرات المسيَّرة التي تعتمد عليها إيران في هجماتها على القواعد العسكرية والمنشآت الحيوية في الخليج وإسرائيل. فمثلاً إن الولايات المتحدة وحلفاءها قاموا بالاعتماد على منظومات دفاع جوي متطورة مثل صواريخ باتريوت وثاد وغيرها لاعتراض الصواريخ والطائرات المسيَّرة. حيث تبلغ تكلفة الصاروخ الاعتراضي الواحد من منظومة باتريوت نحو 3 إلى 4 ملايين دولار، بينما قد تصل تكلفة صاروخ منظومة ثاد إلى 12 أو حتى 15 مليون دولار في بعض الأحيان. وبالمقابل فقد اعتمدت إيران وبشكل واسع على الطائرات المسيَّرة الانتحارية مثل مسيَّرات «شاهد»، التي يتراوح سعر الواحدة منها بين 20 ألفاً و50 ألف دولار فقط، أي أقل بعشرات أو حتى مئات المرات من تكلفة الصواريخ التي تُستخدم لاعتراضها. وهذه المفارقة في الكلفة تخلق معادلة عسكرية معقدة. فإذا أطلقت إيران مئة طائرة مسيَّرة مثلاً، فقد لا تتجاوز كلفة الهجوم بضعة ملايين من الدولارات، بينما قد تضطر أنظمة الدفاع الجوي إلى إطلاق صواريخ اعتراضية بمئات الملايين من الدولارات لإسقاطها جميعاً. وعليه، فإن إيران تعتمد في إستراتيجيتها العسكرية على ما يُسمى حروب الاستنزاف الرخيصة، حيث يتم إطلاق أعداد كبيرة من الطائرات المسيَّرة والصواريخ الرخيصة نسبياً لإجبار الخصم على استخدام أسلحة باهظة الثمن. وقد أدت هذه المعادلة إلى استنزاف كبير في مخزون الصواريخ الدفاعية، كما رفعت تكاليف العمليات العسكرية إلى مستويات ضخمة. وقد أشارت تقارير إلى أن الحرب في أيامها الأولى استهلكت آلاف الذخائر والصواريخ المتطورة بتكلفة تجاوزت عدة مليارات من الدولارات خلال أيام قليلة، وبناء عليه نقول بأنه في كل زمن للحرب معطيات تختلف اختلافاً كلياً وجوهرياً عمَّا يتم التخطيط له. فالحسابات فيمثل هذه الظروف تكون غير دقيقة على الرغم من التأكيدات المتواصلة لصنَّاع السلاح، والخبراء العسكريين. والله ولي التوفيق.
***
- كاتب كويتي