د. محمد الرويلي
لطالما كانت المعرفة تُبنى عبر رحلة طويلة من القراءة والتعلّم والممارسة. كان الإنسان يقرأ الكتب، ويحضر الدورات، ويجرب ما تعلمه في الواقع، ثم يعود مرة أخرى إلى القراءة والتأمل. بهذه الطريقة كانت المعرفة تتراكم ببطء، طبقة فوق طبقة، حتى تتحول إلى خبرة حقيقية. لم يكن الهدف مجرد الوصول إلى المعلومة، بل فهمها وتفكيكها واختبارها. فالكتاب كان مساحة للتأمل، والدورة كانت فرصة للنقاش، والممارسة كانت المختبر الذي تُختبر فيه الأفكار.
لكن في السنوات الأخيرة تغيّر المشهد المعرفي بشكل واضح. لم تعد المعرفة تُكتسب فقط عبر الكتب أو التعليم المنهجي، بل أصبحت تصل إلى الناس عبر مقاطع قصيرة على منصات التواصل الاجتماعي. ففكرة كاملة قد تُعرض في ثلاثين ثانية، وكتاب كامل قد يُلخّص في دقائق، وتجربة علمية قد تتحول إلى مقطع قصير سريع الإيقاع.
هذا التحول جعل البعض يعتقد أن الجيل الجديد قد يبتعد عن المعرفة العميقة، وأن استهلاك المعلومات السريع قد يؤدي إلى سطحية في الفهم.
لكن قبل إصدار مثل هذا الحكم، من المفيد أن ننظر إلى التاريخ، لأن تاريخ المعرفة القديم والحديث مليء بتحولات مشابهة.
في اليونان القديمة، عندما بدأت الكتابة تنتشر، كان الفيلسوف سقراط متحفظًا تجاهها. كان يخشى أن اعتماد الناس على الكتابة سيضعف ذاكرتهم، وأنهم سيكتفون بحفظ النصوص داخل الورق بدل حفظها داخل عقولهم التي هي مكان الفهم الحقيقي. كان يرى أن الكلمة المكتوبة لا يمكنها الدفاع عن نفسها أو شرح مقاصدها، وأن الكتابة تجعل المعلومة تصل لمن لا يستحقها وقد يسيء استخدامها. لكن التاريخ أثبت أن الكتابة لم تضعف المعرفة، بل وسّعت نطاقها وأصبحت الأفكار قادرة على عبور الزمن والانتقال بين الأجيال، مما سمح بتراكم المعرفة الإنسانية بشكل لم يكن ممكنًا من قبل.
بعد قرون من ذلك، حدث تحول آخر عندما اخترع يوهان غوتنبرغ المطبعة في القرن الخامس عشر. فقبل المطبعة كانت الكتب نادرة ومكلفة، وكان الوصول إلى المعرفة محدودًا. أما بعد الطباعة فقد أصبحت الكتب تنتشر بسرعة، وبدأت القراءة تصبح نشاطًا واسع الانتشار. هذا الانتشار لم يمر دون اعتراض. فقد انتقد البعض الإنتاج الضخم للكتب، معتبرين أنه سيؤدي لانتشار كتب ذات جودة منخفضة تشتت الناس عن المعرفة الحقيقية وتغرقهم في بحر من المعلومات غير الدقيقة. كما عبّر البعض عن قلقه من أن القراءة الفردية ستجعل الناس ينعزلون عن بعضهم، بدلاً من الاجتماع لسماع الأخبار أو المواعظ في الساحات العامة ودور العبادة.
لكن ما حدث لاحقًا كان عكس ذلك تمامً. فبدلاً من إضعاف العقول، مكّنت المطبعة من نشر الاكتشافات العلمية (مثل أعمال كوبرنيكوس وجاليليو) بسرعة هائلة، مما مهد الطريق لعصر النهضة والثورة الصناعي. تحولت القراءة من امتياز للنخبة والرهبان إلى حق عام؛ مما أدى لانخفاض الأمية بشكل حاد وتحسين الاقتصاد بسبب زيادة عدد المتعلمين. بل واستحدثت المطبعة أدوات بحث جديدة مثل الفهارس، وترقيم الصفحات، وقوائم المحتويات، مما جعل الوصول للمعلومة أكثر دقة وتنظيماً من أي وقت مضى.
التأثير الحقيقي للطباعة لم يكن مجرد زيادة عدد الكتب، وإنما في تغيير طريقة التفكير نفسها. فالقراءة المتسلسلة من بداية الكتاب إلى نهايته درّبت العقل على التفكير المنهجي والمنظم: مقدمة، ثم حجة، ثم تحليل، ثم نتيجة. وقد أسهم هذا النمط من التفكير الخطي لاحقًا في تحولات كبرى مثل الثورة المعرفية. وهكذا لم تكن الطباعة مجرد وسيلة لنقل المعرفة، بل أداة أسهمت في تشكيل العقل الحديث.
لاحقاً، في القرن التاسع عشر، ومع انتشار الصحف اليومية، ظهر شكل جديد من المعرفة السريعة. لم يعد الناس يقرأون الكتب فقط، وإنما بدأوا يطالعون الأخبار القصيرة والمقالات المختصرة. هذا التحول أثار قلق بعض المفكرين. فقد انتقد الفيلسوف نيتشه هذا النمط من القراءة، معتبراً أن التنقل السريع بين الأخبار قد يجعل التفكير مجزأً بدلاً من التعمق في فكرة واحدة، وتجعلهم يفكرون بنفس الطريقة السطحية، مما يقتل الإنسان المتفوق والروح الفردية المبدعة.
لكن أثبتت الصحف أنها الأداة الأقوى في تنشيط الحراك الثقافي. فلم تقتل الصحف الأدب، بل ولدت أنواعاً جديدة منه؛ فكبار الروائيين (مثل ديستويفسكي وتشارلز ديكنز) نشروا رواياتهم مسلسلة في الصحف، مما جعل الأدب متاحاً للفقراء وليس فقط للأثرياء وخلقت الصحف مساحة للنقد الفني والأدبي، مما أجبر المفكرين على تطوير أدواتهم لمحاكاة جمهور أوسع بدلاً من الانعزال في أبراج عاجية.
مع ظهور الإنترنت تغيّرت العلاقة مع المعرفة مرة أخرى. فقد تمحورت أكبر المخاوف التي رافقت الإنترنت في بداياته حول ما سُمّي حينها بـ»موت البحث». إذ ساد اعتقاد بأن البحث عبر الإنترنت ليس سوى عملية «قص ولصق»، وخشي الأكاديميون أن يفقد الطلاب القدرة على التحليل العميق لأن المعلومة أصبحت تصل إليهم جاهزة دون عناء البحث في فهارس المكتبات الورقية.
لكن ما حدث لاحقًا كان مختلفًا. فقد تحوّل البحث من رحلة للعثور على المعلومة إلى مهارة لتقييمها. ومع الانفجار المعلوماتي طوّر البشر قدرات نقدية جديدة لفرز المصادر الموثوقة من الإشاعات، وأصبح الوصول إلى المعرفة يتطلب ذكاءً في اختيار الكلمات المفتاحية للوصول إلى أدق النتائج. وتشير الدراسات إلى أن الدماغ لم يضعف، بل أعاد تنظيم أولوياته؛ فبدل استهلاك طاقته في حفظ حقائق جافة مثل التواريخ والأرقام، تفرّغ لعمليات أكثر تعقيدًا مثل الربط بين المفاهيم، والتحليل الإبداعي، وحل المشكلات. وهكذا أصبح الإنترنت أشبه بقرص صلب خارجي يخفف العبء عن الذاكرة ليمنح العقل مساحة أوسع للتفكير.
اليوم ظهرت منصات مثل تكتوك ويوتيوب التي تعتمد على مقاطع قصيرة وسريعة. في هذا العالم الجديد قد يشاهد الإنسان خلال دقائق مقطعًا عن الاقتصاد، ثم آخر عن التاريخ، ثم فكرة فلسفية، وربما تجربة علمية. هذا النمط من استهلاك المعرفة جديد، ولا يزال غير معروف التأثير. لكنه قد يخلق طريقة مختلفة في التفكير يمكن وصفها بالتفكير الشبكي؛ حيث لا تتحرك الأفكار في خط مستقيم كما في الكتب، بل تنتقل عبر شبكة واسعة من الموضوعات المتصلة. وقد يبدو هذا الأسلوب اليوم أقل عمقًا في بعض الأحيان، لكنه في المقابل قد يمنح الإنسان قدرة أكبر على الربط بين مجالات مختلفة والتقاط الأفكار بسرعة.
تتكرر اليوم المخاوف نفسها مع ظهور الذكاء الاصطناعي. فالبعض يرى فيه تهديدًا مباشرًا للإبداع البشري، إذ يخشى أن تحل الآلة محل الكُتّاب والفنانين والمبرمجين، وأن يتحول الإنتاج الثقافي إلى مجرد تكرار آلي لما تعلمته الخوارزميات.
لكن ما قد يحدث ربما يكون العكس تمامًا؛ فقد يرتفع سقف الإبداع بدل أن ينخفض. فعندما تصبح أدوات الكتابة والبرمجة الأساسية متاحة للجميع، ستتحول القيمة الحقيقية إلى الفكرة الفريدة واللمسة الإنسانية. وربما نشهد أعمالًا فكرية وفنية أكثر تعقيدًا، لأن خيال المبدع لم يعد مقيدًا بتفاصيل التنفيذ التقنية، بل أصبح قادرًا على الوصول إلى طبقات أعمق من الخيال الإبداعي دون أن يثقل كاهله عبء التنفيذ.
أيضاً، فرض الذكاء الاصطناعي تحولًا في طبيعة المهارات البشرية؛ فلم تعد القيمة الأساسية في امتلاك الإجابات، وإنما في القدرة على صياغة الأسئلة. فالإجابات أصبحت متاحة بوفرة، لكن الوصول إلى أفضلها يتطلب فهم المشكلة بعمق وتوجيه الآلة بدقة. ومن هنا برزت مهارة جديدة تُعرف بهندسة الأوامر(Prompt Engineering) .
وكما نرى، كل وسيلة جديدة للحصول على المعرفة تُقابل في البداية بالرفض، ثم تصبح مع الوقت أمرًا مألوفًا، وما كان مستبعدًا في أنماط التفكير القديمة يصبح بديهيًا في الأنماط الجديدة.
ولهذا، فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت أدوات المعرفة الجديدة ستجعلنا أفضل أو أسوأ، وإنما كيف ستعيد تشكيل الطريقة التي يفكر بها الإنسان؟