د. سجى عارف
في زمن تتسارع فيه التحولات الرقمية بوتيرة غير مسبوقة، تبدو الصحافة التقليدية وكأنها تقف على مفترق طرق؛ فهي الأم التي أرست قواعد المهنة، وبنت الوعي، وصاغت ذاكرة المجتمع، بينما تقف أمامها صحافة رقمية شابة تستفيد من كل ما يتيحه العصر من أدوات، لكنها في اندفاعها نحو السرعة والانتشار تكاد تنسى الجذور التي منحتها الحياة، هذا المشهد لا يعكس صراعًا بين جيلين بقدر ما يعكس خللًا في ميزان التطور، حين يتحول التحديث من وسيلة للبناء إلى أداة للإزاحة.
فالصحافة التقليدية لم تكن يومًا مجرد وسيلة لنقل الأخبار، بل كانت مدرسة في التحليل والتفسير العميق، ومنصة لصناعة الوعي، ومختبرًا للبحث العلمي السليم، كانت ولا تزال مساحة للعمق، ولغة للعقل، ومرجعًا للمثقفين والباحثين وصناع القرار، ومع ذلك، نجد اليوم أن كثيرًا من الممارسات الرقمية اختزلت هذا الإرث في محتوى سريع لا يتجاوز بضع كلمات، أو مقطع فيديو لا يتعدى ثلاثين ثانية، وكأن المعرفة يمكن أن تُختصر في لحظة عابرة.
إن المشكلة ليست في الرقمنة ذاتها، بل في الطريقة التي تُمارس بها، فالسرعة مطلوبة، لكن ليس على حساب العمق، والابتكار ضرورة، لكن ليس على حساب الأصول المهنية، وما نراه اليوم من استبدال القلم بمايك الجوال، والتحليل المتعمق بالمحتوى الخفيف، والبحث العلمي بالبيانات السريعة، يعكس تحوّلًا خطيرًا في فلسفة المهنة، لا في أدواتها فقط.
الخلل الحقيقي يكمن في أن الصحافة الرقمية رغم إمكاناتها الهائلة لم تُبنَ على الأسس التي قامت عليها الصحافة التقليدية، فبينما كانت الأخيرة تعتمد على التحقق، والسياق، والتحليل، أصبحت الأولى تعتمد على الخوارزميات، والانتشار، والسرعة، وبينما كانت الصحافة الورقية تصنع جمهورًا واعيًا، أصبحت بعض المنصات الرقمية تصنع جمهورًا مستهلكًا.
هذا التحول انعكس مباشرة على مخرجات التعليم الإعلامي؛ إذ أصبح بعض الخريجين يميلون إلى المحتوى السريع على حساب التخصص العميق، وإلى الظهور على حساب المعرفة، وإلى الأدوات على حساب الفلسفة المهنية.
إحياء مجد الصحافة لا يعني العودة إلى الورق وحده، ولا يعني رفض الرقمنة، بل يعني إعادة التوازن بين الأصل والامتداد، بين العمق والسرعة، بين المهنية والتقنية، وهذا التوازن هو ما تتطلبه رؤية المملكة 2030 التي تسعى إلى بناء مجتمع معرفي واقتصاد قائم على الابتكار.
ولتحقيق ذلك، نحتاج إلى إعادة تعريف التخصصات الإعلامية بما يضمن الجمع بين مهارات التحليل التقليدي وأدوات العصر الرقمي، وتعزيز المحتوى العميق في المنصات الرقمية، وعدم الاكتفاء بالمحتوى الخفيف، وإحياء قيم الصحافة المهنية كالتحقق، الدقة، السياق، والعمق، وإطلاق مبادرات وطنية لدعم صحافة البيانات، والتحقيقات الاستقصائية، والمحتوى المتخصص، وتطوير برامج التدريب الإعلامي لتعيد للخريج أدوات التفكير النقدي قبل أدوات الإنتاج السريع.
إن إحياء مجد الصحافة ليس حنينًا إلى الماضي، بل حماية للمستقبل، فالأم التي بنت الوعي وزرعت المبادئ لا يجب أن تُستبدل بابنة لم تكتمل هويتها بعد، نحن بحاجة إلى صحافة تجمع بين أصالة الورق وذكاء الرقمنة، بين عمق التحليل وسرعة الوصول، بين المهنية والابتكار، وبهذا فقط نصنع إعلامًا يبني العقول، ويصنع الأجيال، ويخدم الوطن.