د. إبراهيم بن جلال فضلون
رأيت بعيني ولم أسمع في الحرم الشريف، حيثُ لا تتوقف عقارب الساعة عن الحركة، ولا تنفك الحشود عن الطواف، في مشهد إيماني عظيم، داخلهُ يقف رجال أمن الحرم كصمام أمان لا يهدأ، لهُم دور إنساني قبل أن يكون أمنيًا، يتجاوز المفهوم التقليدي لخدمة ضيوف الرحمن في الحرمين الشريفين وحفظ النظام؛ بمزيج من «الخدمة الروحية» و»الإدارة اللوجستية» المُعقدة، حيث يتحول الضابط من رجل أمن إلى مرشد ومسعف ومترجم، واضعاً راحة ضيوف الرحمن فوق كل اعتبار. وكأن (ميمية) الشاعر الأموي الشهير الفرزدق أبرزت تلك الجوانب:
هَذا الذي تَعرِفُ البَطحاءُ وَطأتَهُ
وَالبَيتُ يَعرِفُهُ وَالحِلُّ وَالحَرَمُ
هذا ابنُ خَيرِ عِبادِ الله كُلِّهِمُ
هذا التَّقِيُّ النَّقِيُّ الطّاهِرُ العَلَمُ
وبينما ينشغل الزائر بخشوع وسكينة الصلاة، تعمل خلف هذا المشهد الروحي منظومة دقيقة من الجهود الأمنية، التي تُعدّ حجر الأساس في تحقيق الطمأنينة لملايين القاصدين. فالأمن في الحرم ليس مجرد إجراءات، بل رسالة تتكامل فيها الإنسانية مع المهنية، لتُصان بها قدسية المكان وراحة الإنسان.. لذا فالجانب المخفي هُنا هو لضُباط بمهارات «دبلوماسية» ولغوية يقفون خلف البدلة العسكرية المهيبة، حيثُ يُكمن جانب لا يدركه الكثيرون إلا عند الاحتكاك المباشر؛ فالحرم المكي والنبوي هُما البقعتان الأكثر تنوعاً لغوياً على وجه الأرض، ما يجعلهم جسور تواصل حية بين ثقافات العالم المختلفة.
ولعل الأكثر لفتًا للنظر، أنهم لا يوجّهون الحشود فحسب، بل يهدّئون القلق، ويشرحون التعليمات، ويحتوون المواقف الطارئة بلغةٍ هادئةٍ مؤثرة، تجمع بين الحزم واللطف. وفي زحام المشاعر وتباين الثقافات، تصبح الكلمة الطيبة أداة أمنية ودبلوماسية بامتياز، تُسهم في تفادي الأزمات قبل وقوعها، وتحوّل التوجيه إلى تجربة إنسانية راقية، هذا التنوع اللغوي لا يأتي ترفًا، بل ضرورة تفرضها طبيعة الحرم كمقصد عالمي، يستقبل ملايين الحجاج والمعتمرين من شتى بقاع الأرض، وهذا تطلب إعداداً خاصاً لرجال الأمن، وجهداً من قبل حكومة خادم الحرمين الشريفين على مدار تاريخ الدولة السعودية التي شرفها الله بذلك منذ الأمد البعيد.
«إتقان اللغات: يبرز في أروقة الحرم ضباط يتقنون الإنجليزية، الفرنسية، الأوردية، الفارسية، والتركية، وحتى لغة الإشارة. هؤلاء الضباط يمثلون «الجسور اللغوية» التي تكسر حاجز الغربة لدى الحاج الآتي من أقصى الأرض، مما يجعل التواصل فورياً وفعالاً.
«المهارات الخطابية: لم تكن اللغة يوماً مجرد مفردات، بل هي أسلوب إقناع ومهارة خطابية. يتمتع ضباط أمن الحرم بقدرة فائقة على إدارة الحشود بكلمات منتقاة تجمع بين «الحزم العسكري» و»اللين الإنساني»، مما يسهم في امتصاص التوتر ومنع التدافع بأسلوب حضاري رفيع.
وبلغة الأرقام تتحدث جودة الخدمات والتطور التقني وفقاً للبيانات الرسمية الصادرة عن الجهات الأمنية السعودية (مثل القوات الخاصة لأمن الحج والعمرة)، فإن منظومة الأمن تعمل وفق ثلاثية إستراتيجية دقيقة:
«الكوادر البشرية: تعمل آلاف الكوادر الأمنية على مدار الساعة، مع تخصيص فرق متحدثة باللغات العالمية في نقاط الاتصال الرئيسة (كصحن المطاف والمسعى).
«التنوع اللغوي: تُشير التقارير إلى أن مراكز التوجيه والإرشاد الأمني تضم ضباطاً وضباط صف يجيدون أكثر من 10 لغات عالمية أساسية.
«الدعم اللوجستي: يتكامل الجهد البشري مع أكثر من 5000 كاميرا مراقبة ذكية، وغرف عمليات متطورة تستخدم الذكاء الاصطناعي لرصد الكثافات البشرية، مما يسهل مهام الضباط الميدانيين في التوجيه السريع وحفظ النظام.
إن منظومة أمن الحرم تضم آلاف الأفراد المدربين، يعملون ضمن خطط تشغيلية متكاملة، ويجيد عدد كبير منهم أكثر من لغة واحدة، في إطار برامج تدريبية متخصصة تُعنى بالتأهيل اللغوي والتواصلي. وكما تشير التقارير إلى أن فرق الأمن تقدم يوميًا آلاف الخدمات الميدانية، تشمل الإرشاد، وتنظيم الحركة، ومساعدة التائهين، والتعامل مع الحالات الإنسانية، مستفيدة من بنية تقنية متقدمة تشمل أنظمة مراقبة ذكية، وتطبيقات إرشادية، ووسائل اتصال فورية تعزز سرعة الاستجابة ودقة الأداء.
رسالة للإعلام: إنهُم «سفراء الحرمين» يجب أن نراهم بقوة وتبجيل وتسليط الضوء على هذه الجهود الجبارة التي تستحق أن تكون في صدارة المشهد الإعلامي. لذا، فإننا نناشد وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة بضرورة:
أولاً: إنتاج وثائقيات ورصدها -هي موجودة ولكن أعني إبرازها أكثر- ليوميات الضابط «المُترجم» و»المُتحدث» في كلا الحرمين، وكيف يوازن بين مهامه الأمنية ودوره الإنساني.
ثانيًا: إبراز النموذج السعودي: تقديم هؤلاء الشباب كنموذج للمواطن السعودي المتعلم والمثقف الذي يخدم دينه ووطنه بأرقى الوسائل. فهذا الجانب يعزز الصورة الإيجابية للمملكة كقائدة للعالم الإسلامي وتفرد قوى في إدارة أكبر تجمع للحشود، ويُظهر للعالم حجم الاستثمار البشري في بناء إنسان «الخدمة والأمن».
الوجه الصامت: يبقى رجال أمن الحرم جنودًا مجهولين في أعين الكثيرين، لكن أثرهم حاضر في كل لحظة طمأنينة يعيشها الزائر. إنهم الوجه الصامت للرحمة، والعين الساهرة على راحة الملايين، يستحقون أن تُروى قصصهم، وأن يُحتفى بجهودهم، وأن يُنظر إليهم بوصفهم شركاء في صناعة هذه التجربة الإيمانية الفريدة. فهم «الوجه الباسم» للمملكة، وهم حراس الطمأنينة الذين يستحقون منا كل التقدير والدعم، مثلهم كحراس أمننا على الحدود، فاستمرار الاستثمار في مهاراتهم اللغوية والخطابية هو استثمار في رسالة الحرم العالمية، ودعوة مُستمرة للإعلام لإنصاف هذه الجهود المخلصة التي تعمل بصمت خلف جدران الكعبة المُشرفة والحرم النبوي الشريف. وصدق الشاعر الموصلي عبد الباقي العمري:
بلادٌ بها البيتُ الحرامُ وأهلُهُ
همُ الأمنُ والإحسانُ في كلِّ مشهدِ
وقفة
تظل خدمة الحرمين الشريفين شرفًا عظيمًا، ومسؤوليةً جسيمة، تستدعي استمرار الدعم والتقدير، وتفرض على الإعلام أن ينهض بدوره في إبراز هذه الجهود، لتبقى الصورة مكتملة (روحٌ تعبد، وأمنٌ يحمي، وإنسانٌ يُكرم)، ويجب أن نفخر بتلك الجهود الجليلة من لدن خادم الحرمين الشريفين وولي عهده الأمين والقائمين عليها لعظمة الوفاء، ويبقى الفخر الأسمى لكل من وطئت قدماه أرض الحرمين فهو شرف الخدمة، كما قال الشاعر العربي الكبير أبو الطيب المتنبي:
شَرَفُ الـمَكَانِ بِـمَن حَوَاهُ وَإِنَّـمَا
حَرَمُ الإِلَـهِ لَهُ الرِجَالُ فِدَاءُ
حفظ الله حُماة الحرمين، وأدام على بلادنا عزها وأمنها.