عبدالعزيز صالح الصالح
لقد كرّم الله الإنسان لأنَّه من روح الله سبحانه وتعالى ابتداء من آدم عليه السَّلام إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها والقرآن الكريم يشير إلى كرامة الإنسان بقوله: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً} (70) سورة الإسراء.
فقد منح الله الباري عزَّوجلَّ عباده نعمًا عديدة وعظيمة وعبادات جليلة.. بعد إتمام شهر رمضان المبارك، فقد أشاد الباري عزَّوجلَّ في محكم كتابه الكريم: {وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} (185) سورة البقرة.
وقال عيسى عليه الصَّلاة والسَّلام - في محكم الكتاب العظيم: {اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السَّمَاء تَكُونُ لَنَا عِيداً لِّأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِّنكَ وَارْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} (114) سورة المائدة.
وقال الشاعر الحكيم - أبو الطيب المتنبي الذي أحرق أوراق المتفائلين بالمناسبات الطيِّبة والجميلة بقوله هذه الأبيات:
عيدُ بأيَّةِ حالٍ عُدتَ يا عيدُ
فيما مَضى أَم لأَمرٍ فيهَ تجديدُ
أما الأحبَّةُ فَالبَيداءُ دونَهُمُ
فَلَيتَ دونَكَ بيداً دونَها بيدُ
وقال شاعر آخر:
يا عيدُ عدت لقلبٍ فيك معتكر
ما أنت عيدي ولا كأسي ولا وتري
ولا تهانيك في قلبي ولا صَدَحَتْ
منك البلابلُ في روضي ولا شَجَري
العيد في أمة بالعيش هانئةٍ
وفي شبابٍ إلى الأمجاد مبتدر
تفنى الحياة ولا يفنى له هدف
مستشرفاً لمدارِ الشمس والقمر
فقد أصبحت هذا الأبيات الَّتي تحمل بين جنباتها وطياتها عبر مطلع تلك القصائد العصماء معاني عدَّة تتردد على ألسنة البشر في مناسبة الأعياد - لما يحمله من تجديد وذكريات جميلة واستذكار وابتهاج وفرحة وبشر وسرور وسعادة غامرة والتفاف والتصاق حيث تتوحد أجساد البشر صفاً واحداً متراصة في خشوع وحب ورهبة أمام الخالق جل وعلا، حيث تتلاحم المشاعر المؤمنة يظلله علم الإيمان فالعيد يحتل مكانة عظيمة - فهو شعيرة من شعائر الإسلام الظاهرة التي تحمل بين طياتها وجنباتها معاني ودلالات قيِّمة تجسد آمال الأمَّة البعيدة وتطلُّعاتها المذهلة وأحلامها المديدة وطموحاتها العارمة فالعيد مناسبة طيِّبة تسود فيه عبارات التهاني الجميلة وتتحلى فيه أبجديات عدَّة - كالمودَّة والمحبَّة والعطف والرَّحمة والتَّعاون والتآلف والتكاتف والتآخي حيث يغرس في نفوس أفراد الأمَّة مبادئ التكافل الاجتماعيِّ ومعانيه المشرقة ومكارمه الجزيلة وصوره الصادقة كما قال تعالى: {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ} (11) سورة الضحى.
فالعيد موسم للسعادة والفرحة والبسمة.. وجدول للحب والمودَّة. حيث يجدد حياة أفراد الأمَّة بمعانيه السَّامية وأهدافه النبيلة وأعماله الجليلة ولمحاته الإنسانيَّة العميقة التي يتجدد فيه امتثال الأمر الإلهي فالعيد في الإسلام أمر واجب شرعاً فلقد أمرنا المشرع بالاحتفال بهذه المناسبة العظيمة فهي فرض كفاية على الأمة الإسلاميَّة بالقيام بها تعبداً وتقرباً إلى الله سبحانه وتعالى مع أن الاحتفال بهذه المناسبة من العبادات الخاصة، مع أنها ترفيهية وترويحية للنفس البشريَّة يا له من مناسبة جميلة ومباركة يتبادل المسلمون فيها عبارات التهاني والتبريكات ما أحوج أفراد الأمة إلى مبادئ هذه المناسبة العظيمة والشعيرة الجليلة إلى البسمة المشرقة وطلاقه الوجه وانشراح الصدر وأريحيه الخلق ولطف الرُّوح وليِّن العريكة.
فالصفة البارزة التي يتحلى بها معلِّم البشريَّة وسيِّد الأمة المحمدية - مُحمَّد بن عبدالله صلوات الله وسلامه عليه - أنه يمتاز بانشراح الصدر والرِّضا والتفاؤل فهو مبشرٌ ينهي عن المشقة والتنفير ولا يعرف اليأس والإحباط فالبسمة على محيَّاه والرِّضا في خلده، واليُسر في شريعته والوسطية في سُنَّنه والسعادة في ملَّته.
ما أكثر ما قيل عن هذه المناسبة من أقوال نثرية وأبيات شعرية راقية تجسد معاني صادقة فإن العيد يجدد الحياة في نفوس البشريَّة عامَّة، ومن خلال هذا المقال القصير أناشد أخواني وأبناء أمتي في كافَّة أنحاء بلادنا المترامية الأطراف بعدم المبالغة بهذه الألعاب النارية الخطرة التي تحدث أصواتاً مزعجة وأضرارا خطيرة على أرواح البراعم الناشئة وفي الختام - أسأل الله رب العرش العظيم أن يعيد هذه المناسبة العظيمة على بلادنا أعوامًا عديدة في أمن واستقرار وصحة وتطور وتقدم في شتَّى المجالات والأمة الإسلاميَّة بصحة وعافية وعقيدة تحرر العقل وتدعو إلى العلم - وعبادة تسمو بالرُّوح وتؤدي إلى القوة - وخُلق ينمي الشَّخصية ويحمل على التعاون - وقانون يحقق المصالح ويضمن العدالة.
إنه سميع مجيب.