اللواء الركن م. د. بندر بن عبدالله بن تركي آل سعود
يحسب البعض أن الوطن هو الأرض التي يعيش عليها، وداره التي يسكنها، وعمله الذي يحقِّق من خلاله ذاته ويكسب منه قوت عياله، ومركب يتنقَّل به ويحمل عنه أثقاله.
وآخرون يحسبون أن الوطن مسؤولية القيادة والدولة، ولا يعنيهم أمره من قريب أو بعيد، فهو غارق في الاستمتاع بحياته، ولا يفكر مطلقاً كيف تحقَّق له كل هذا الأمن والأمان والاطمئنان والاستقرار، ليهنأ هو وأسرته بحياة لا يكدِّر صفوها سوءٌ أبداً.
ولهؤلاء وأولئك أقول: صحيح الوطن هو الأرض والدار والعمل والمركب، غير أن مفهوم الوطن أشمل من هذا التفكير الضيِّق وأوسع، إذ يشمل معنى الوطن أيضاً:
«السماء التي تظلّك..
«الهواء الذي تتنفسه..
«أشعَّة الشمس التي تتسلل إليك عبر الفضاء، فتنير لك الدنيا وتجلب لك الدفء..
«القمر الذي يضيء لك ليالي السَّمر..
«الماء الذي يروي ظمأك..
«الطعام الذي يمد جسمك بالطاقة ويقويك على الحركة والعمل والعبادة..
« المستشفى الذي يوفر لك الرعاية الطبية..
«المدرسة والجامعة اللتان يتعلم فيهما أبناؤك..
«الطريق الذي تسير عليه سيارتك بأمان فيوفر لك الوقت، ويهوِّن مشاق السَّفر عليك..
«والسوق الذي يضع منتجات العالم كله شرقيه وغربيه بين يديك..
«والمطارات التي تنقلك إلى كل أنحاء العالم من أقصاه إلى أدناه..
فهل فكَّرت يوماً كيف تحقَّق كل هذا الخير الوفير لك وغيره كثير؟!
وصحيح أيضاً تقع مسؤولية حماية الوطن وتنميته وحفظ أمنه واستقراره وراحة المواطن بالدرجة الأولى على عاتق القيادة الرشيدة، وكلنا شهود أنها لم تدَّخر وسعاً في هذا المجال، ولم تبخل بشيء أبداً، بل جنَّدت وقتها كله وراحتها وفكرها للعمل من أجل أداء رسالتها، ثم يأتي دور الحكومة التي تنفذ توجيهات القيادة الرشيدة للنهوض بالوطن وخدمة المواطنين.
غير أنه ثمَّة مسؤولية مشتركة تقع على عاتق جميع المواطنات والمواطنين بالدرجة نفسها.
فكما أن الجميع ينال حظه وافراً مما يوفره الوطن من خير، قطعاً يعاني بالدرجة نفسها إن تعثرت خطى الوطن أو أصابه سوء لا سمح الله.. فالوطن يشمل أيضاَ في ما يشمل من مفهوم واسع:
«الجندي القابض على الزناد يحمي الثغور، دونما مبالاة ببرد أو حر، معرِّضاً نفسه للمخاطر..
«رجل الأمن الذي بفضله بعد الله، تنام أنت ملء جفونك..
«رجل الإطفاء الذي يقتحم النيران فداءً لك ولأسرتك ولحلالك..
«رجل المرور الذي يعمل في كل الظروف لينظِّم لك السير ويخفف عليك الزحام، ويوفر لك الوقت..
«الموظف الذي ينظِّم لك شؤون أعمالك..
«والمعلم والفلاح والصانع والعامل... إلخ.
ولما كنت أنت وأنا وكل واحد منَّا موجود في كل تلك التفاصيل الدقيقة الشاملة، كان الوطن إذن أنت وأنا وهو وهي. فكل واحد منَّا هو بالضرورة نسخة مصغرة لوطنه هذا، يحمله في كل خلاياه وأحلامه حيثما كان.
فكل هذا الخير الوفير وغيره كثير هو من أجلك أنت، وكل هؤلاء وأولئك هم أنت، وكلنا نحن الوطن. وعليه كان لزاماً على كل واحد منَّا أن يدرك يقيناً أن الوطن يتجسَّد في شخصه هو، فيتمنى له من الخير كل ما يتمناه لنفسه، بل يتجاوز مرحلة التمني للعمل الجاد، ويدفع عنه كل ما يؤذيه من سوء أو يحدق به من أخطار، مثلما يدفع عن نفسه وسائر أفراد أسرته. بل على كل واحد منَّا أن يكون جندياً وفيَّا لقيادته مخلصاً لوطنه منافحاً عنه بكل ما يملك من قدرة وسعة حيلة.
فقد حبانا الله سبحانه وتعالى بقيادة رشيدة همها كله حماية استقلال بلادنا وتنميتها وتطويرها وتذليل كل ما يعتري حياتنا من صعاب، وشرَّفنا بوطنٍ تشرئب إليه أعناق العالم عربيهم وعجميهم، واحة وارفة الظلال من الأمن والأمان والاطمئنان والاستقرار، وقد رزق الله أهله من كل الثمرات.
فكل من يسعى لخير وطنه هذا، هو يسعى لخير نفسه ولخير أسرته بالدرجة الأولى، والعكس صحيح، إذ كل من يفرِّط فيه أو يؤذيه، فهو يفرط في نفسه وفي أسرته ويؤذيها قبل أن يعود ذلك على وطنه.
يقول شاعر الوطن السعودي الشهير خلف بن هذَّال العتيبي الذي أشتهر بقصائده الوطنية وتلك الحماسية، ومعلوم أنه يُعَدُّ من أشهر شعراء الوطن في النبط، وهو عندي بمنزلة الشاعر أحمد بن إبراهيم الغزاوي في الشعر الفصيح:
لا هانت بلاد أخو نورة ولا هِنَّا
الجوخة اللي لبسنا من بطاينها
دار ربَّتنا وضمَّتنا وفضَّلتنا
الموت فيها ولا نجسٍ يدرِّنها
فاجعلوا وطنكم في حدقات عيونكم، واحرصوا على خدمته وحمايته بكل ما أوتيتم من قوة وقدرة وسعة حيلة، ولا تسمحوا لكائن من كان، خاصة أولئك الذين باعوا أوطانهم بثمن بخسٍ نتيجة العمالة والنذالة والارتزاق أن ينال منه، وأكثروا الشكر والحمد والثناء لخالقكم لاسيَّما في هذه الأيام الطيبة المباركة، ثم أكثروا من الدعاء لولاة أمركم ولوطنكم، وليحذر كل واحد منَّا أن يؤتى وطننا من قِبّلِه، فيكون كمن فقأ عينه بأصبعه.
فاللهم أحفظ قادتنا الكرام البررة ووفقهم وأعنهم، واحفظ وطننا من كيد الكائدين، واحفظ شعبنا كله، وأدم علينا هذا الأمن والأمان والاستقرار والاطمئنان.. اللهم آمين.