نجلاء العتيبي
إحساس مؤلم تولَّد من مشهدٍ مُوجعٍ حين وقعت العين على تعليقات تتَّشح بالشماتة من بعض الأصوات خارج الخليج، في لحظة تتعرَّض فيها دولُهُ لضربات عدوانية من إيران.
كلمات قاسية خرجت من خلف الشاشات ببُرودٍ لافتٍ كأن ما يصيب هذه الأرض لا يعنيهم..! ولحظات كهذه تكشف الفارق العميق بين مَن يراقب المشهد بعين المتربِّص، ومَن يعيش هذه الأرض بروح الانتماء الصادق.
ما يجمع أبناء الخليج ليس ظرفًا مؤقتًا، وإنما تاريخ طويل من التكاتُف والتجاوُر والدم القريب؛ تاريخ تشكَّل عبر سنوات من الوقوف المتساند في مواجهة التحديات، ومن إدراكٍ راسخٍ بأن المصير في هذه المنطقة مترابط، وأن استقرار كل دولة يمتدُّ أثره إلى الأخرى.
فأبناء الخليج يعرف بعضهم بعضًا بملامح الروح قبل ملامح الوجوه؛ بينهم لغة تتجاوز اللهجات، وذاكرة مشتركة تشكَّلت عبر سنوات من العيش المتجاور، والتحديات التي مرَّت على هذه الأرض؛ فمن يعش داخل هذا النسيج يُدرك أن العلاقة بين دُولِهِ تقوم على شعور عميق بأن المصير واحد، وأن أمن كل دولة امتداد لأمن الأخرى، وحين تصيب الضربةُ جزءًا من الجسد يشعر بها الجسد كلُّهُ، هذه حقيقة يعرفها من عاش معنى الانتماء الخليجي.
والألم الذي يطال مدينة هنا أو أرضًا هناك لا يبقى محصورًا في جغرافيته، وإنما يمتدُّ صداه في القلوب التي تربَّت على معنى الجوار الصادق؛ لذلك تبدو الشماتة في مثل هذه اللحظات غريبة عن روح هذه المنطقة، وقيم أهلها..!
الوحدة الخليجية لم تنشأ كشعارٍ بل نمتْ عبر سنوات من التعاون والتفاهم والعمل المشترك، وتشكَّلت من إدراك عميق بأن هذه المنطقة تواجه تحدياتٍ متشابهةً، وأن تماسكها يمنحها قوةً واستقرارًا، ومع مرور الوقت ترسَّخت علاقات اجتماعية واقتصادية وثقافية جعلت الحدود أقلَّ حضورًا في الوجدان، العائلات امتدَّت بين المدن، والتجارة تحرَّكت بين الأسواق، والطلاب تنقَّلوا بين الجامعات، والجنود وقفوا على خطوط الدفاع بروحٍ واحدةٍ.
كل ذلك رسَّخ حقيقة واضحة مُفادها أن قوة الخليج تنبُعُ من ترابطه، وهناك مَن يحاول بثَّ الشقاق، وزرع الشكوك، وإشعال الفتن الصغيرة التي تتغذَّى على الانفعال، وهذه الأصوات تظهر غالبًا في مثل هذه الأوقات مستندةً إلى لغة الشماتة والنكران والتحريض والسخرية.
غير أن الوعي الشعبي في هذه المنطقة أثبت مرارًا قدرته على تجاوز هذه المحاولات؛ لأن الروابط العميقة لا تهتزُّ أمام الضجيج، ومن عاش التجربة الخليجية عن قُربٍ يعرف أن اللحظات الصعبة تكشف معدن الشعوب، وفي الأزمات تظهر المواقف الصادقة، ويتجلَّى الشعور الحقيقي.
فأبناء الخليج حين يشعرون بالخطر يتذكَّرون أن استقرارهم مرتبطٌ بوحدة الصف، وهذه الأرض عرفت عبر تاريخها كيف تواجه التحديات بروح متماسكة، فقد مرَّت بتحوُّلات كثيرة، ورياح متغيرة، ومع ذلك بقيت جذورها ثابتة؛ لأنها قامت على أُسُس واضحة؛ منها احترام الجار، ونصرة القريب، والوقوف إلى جانب بعضهم في أوقات الشدة.
هذه القيم ترسَّخت في الوعي الجمعي وفي تفاصيل الحياة اليومية، ومَن يتأمَّل المشهد بصدقٍ يُدرك أن قوة الخليج لا تكمن في ثرواته الطبيعية وحدها، ولا في موقعه الجغرافي المميَّز، إنما في الإنسان الذي يحمل شعور الانتماء لهذه الأرض، وحين يتكاتف هذا الإنسان مع أخيه في الدولة المجاورة تتشكَّل منظومة قوية جدًّا يصعب التأثير في توازنها.
لهذا يبدو الحديث عن الوحدة الخليجية حديثًا عن مستقبلٍ آمنٍ بقدر ما هو امتدادٌ لتجربة راسخة، فالترابط بين هذه الدول يمثل ضمانة للاستقرار في منطقة مليئة بالمطامع، وكل خطوة نحو التقارب تزيد من قوة الجميع، وكل موقف صادق يُعزّز الثقة بين الشعوب.
وما يراه البعض تحالفًا إقليميًّا يراه أبناء الخليج بيتًا واسعًا يجمعهم تحت سقف واحد، فقد تختلف الآراء في بعض التفاصيل، وقد تمرُّ العلاقات بمراحل من التباين الطبيعي، غير أن الأساس الذي يجمع هذه الدول يبقى أقوى من أي خلاف.
وفي النهاية تبقى الحقيقة واضحةً لكل مَن ينظر بعين الإنصاف: قوة الخليج في ترابُطه، واستقراره في تماسُك شعوبه، ومستقبله في قدرته على الوقوف صفًّا واحدًا أمام كل مَن يحاول النيل من أمنه أو التشكيك في وحدته.
وهذه القناعة نتاج تجربة مشتركة صنعتها السنوات والمواقف حتى أصبحت جزءًا من الوعي الذي يحمله أبناء الخليج أينما كانوا.
ضوء
«خليجنا واحد ومصيرنا واحد».
- الشاعر الكويتي عبد اللطيف البناي.