مرفت بخاري
ليس أخطر ما يمر بالمنطقة اليوم هو تصاعد التوترات، بل اعتيادها على العيش فوق حافة الأزمات، فليست المنطقة اليوم أمام أزمة عابرة يمكن أن يطويها الزمن سريعًا، بل أمام لحظة فارقة تختبر صلابة الدول وعمق رؤيتها للمستقبل، فحين تتكاثر التوترات وتضطرب خرائط النفوذ، لا يكفي أن تمتلك الدول القوة وحدها، بل تحتاج إلى ما هو أبعد من ذلك، إلى الحكمة التي تضبط ميزان القوة، وإلى البصيرة التي ترى ما وراء ضجيج اللحظة.
لقد تعلّمت منطقتنا، عبر عقود طويلة من الصراعات، أن الحروب حين تبدأ لا تسأل كثيرًا عمّن أشعل شرارتها، لكنها حين تنتهي تترك خلفها جغرافيا مثقلة بالخسائر، وشعوبًا تبحث عن استقرار طال انتظاره، ولهذا لم يعد السؤال اليوم من يملك القدرة على التصعيد، بل من يملك القدرة على منع الانفجار قبل أن تتسع دوائره.
وفي خضم هذا المشهد المعقد، تتحرك إيران في فضاء إقليمي تحاول من خلاله توسيع نفوذها عبر مسارات متعددة، سياسية وأمنية، فيما تدرك دول الخليج العربي أن استقرار المنطقة لا يمكن أن يقوم على صراعات مفتوحة أو موازين مختلة، ولذلك اختارت طريقًا مختلفًا، طريقًا يقوم على حماية السيادة، وتعزيز منظومة الأمن الإقليمي، وبناء مستقبل اقتصادي وتنموي لا يمكن أن يزدهر في ظل الفوضى.
دول الخليج اليوم لا تنظر إلى الاستقرار بوصفه شعارًا سياسيًا يُرفع عند الأزمات، بل تعتبره مشروعًا استراتيجيًا طويل المدى، يرتبط بأمن شعوبها ومستقبل أجيالها. ومن هنا يصبح التعامل مع التوترات الإقليمية معادلة دقيقة تجمع بين الحزم حين يستدعي الموقف ذلك، والحكمة حين تكون الحكمة هي الطريق الأقصر لتجنيب المنطقة مزيدًا من الحرائق.
ولهذا، وبين العواصف التي تعصف بالشرق الأوسط، تبقى الحقيقة الأهم أن قوة الدول لا تقاس فقط بما تملكه من أدوات الردع، بل بما تمتلكه من قدرة على إدارة الأزمات دون أن تسمح لها بأن تتحول إلى قدر محتوم.
الدول العاقلة لا تُقاس قوتها بعدد الحروب التي تخوضها، بل بعدد الحروب التي تنجح في منعها
ستبقى المنطقة ما بين طريقين لا ثالث لهما طريق يرى في الفوضى وسيلة للنفوذ، وطريق يؤمن أن الاستقرار هو الاستثمار الحقيقي للمستقبل، ودول الخليج اختارت منذ زمن أن تبني قوتها على الطريق الأصعب.. طريق الحكمة.
وبينما تتكاثر العواصف حول المنطقة، يبقى الرهان الحقيقي على الدول التي تعرف متى ترفع صوت الحزم، ومتى تفتح أبواب الحكمة، فالأوطان لا يحميها الغضب وحده، بل تحميها العقول التي تدرك أن أعظم الانتصارات هي تلك التي تمنع الحروب قبل أن تبدأ، فالشرق الأوسط لا يحتاج إلى مزيد من ساحات الصراع، بل إلى قادة يدركون أن النفوذ الحقيقي لا يُبنى فوق أنقاض الاستقرار، وعند هذه الحقيقة يتحدد الفرق بين من يراهن على الفوضى، ومن يراهن على المستقبل.