ليلى أمين السيف
«ليست كل معرفة نافعة» جملة يصعب على الإنسان الحديث تقبّلها.
فالمعروف مجتمعيا أنه كلما عرفت أكثر كنت أذكى، كلما تابعت أكثر كنت أوعى، وكلما علّقت على كل شيء كنت حاضرًا في العالم لكن الحقيقة أقرب إلى العكس.
العقل ليس مكتبة عامة، بل غرفة عمليات وكل معلومة تدخل إليه بلا حاجة تشبه أداة جراحية وُضعت على الطاولة في غير موضعها تربك اليد وتفسد التركيز.
العلم النافع ليس كل ما يمكن معرفته، بل ما ينبغي معرفته.
وفي الحياة علوم كثيرة لا تُدرَّس في المدارس، أهمها فن تجاهل ما لا يخصّك، وفن ترك ما لا يغيّرك، وفن عدم استهلاك نفسك في أسئلة لا يترتب عليها عمل .
ولهذا «مافيش داعي» مافيش داعي لأشياء كثيرة من حولنا لاتهمنا ولا تقدم لنا.
والغريب أن هذا ليس كلام حكماء فقط، بل كلام علم النفس المعرفي نفسه.
العقل لا يُنهك من كثرة العمل، بل من كثرة ما لا فائدة منه.
في علم الإدراك هناك ما يسمى «الحمل المعرفي» كل فكرة تشغل حيّزًا من انتباهك،
وكل حيّز مشغول بشيء غير مهم يسرق قدرتك على التعامل مع المهم، لهذا تخرج مرهقًا بعد ساعة تصفح، ولا تتعب بعد ساعة إنجاز ليس لأن الهاتف أتعبك، بل لأن عقلك حاول معالجة مئات الأمور التي لا قرار فيها.
وهناك أيضًا «وهم الشفافية» حيث نعتقد أن الناس تراقبنا وتفكر بنا أكثر مما يفعلون.
تتذكر كلمة قلتها منذ أسبوع، بينما صاحبها نسيها بعد دقيقة. تحاول تعديل صورتك في أذهان الآخرين، بينما أذهانهم مشغولة بصورهم هم.
وفي «انحياز المقارنة الاجتماعية» لا نحزن لأننا فشلنا، بل لأن أحدًا نجح أمامنا
ترى نجاح صديقك فيتغيّر تقييمك لحياتك، مع أنها قبل دقيقة كانت جيدة.
المعلومة هنا لم تضف واقعًا بل صنعت شعورًا فقط، وفي علم القرار هناك ما يسمى «شلل التحليل» فكلما عرفت خيارات أكثر أصبحت أبطأ في الاختيار. امامك عشرات الآراء قبل شراء شيء بسيط، ثم تنهي اليوم بلا قرار، وتشعر بتعب حقيقي من أمر لم يحدث أصلًا حتى الذاكرة نفسها تعمل بنظام الحذف؛ الدماغ لا يحتفظ بكل شيء..
بل يتعمد أن ينسى كي تبقى قادرًا على العيش .النسيان ليس ضعفًا إنه آلية بقاء لهذا ليس مطلوبًا منك أن تعرف كل شيء، لأن عقلك نفسه مصمَّم كي لا يفعل؛ بعض الجهل وظيفة عقلية طبيعية.
ولهذا الـ«مافيش داعي» في حياتنا اليومية ليست تقليل معرفة؛ بل ضبطها؛ فالعقل يتعب من الزائد لا من المهم ،ومن الأسئلة التي لا يترتب عليها أثر.
التوازن أن تعرف ما تحتاجه فقط، وتترك ما لن يغيّر حياتك.
أحيانًا أعلى درجات الوعي أن تقول بهدوء لا يلزمني أن أعرف.
مافيش داعي نعرف كيف يفكر الناس فينا بعد ما نخرج من الغرفة، ولا لماذا نجح فلان وتعثر علان، ولا كم شخص ضغط إعجاب وهو يعض شفايفه غيظًا.
مافيش داعي نقرأ كل شيء، ولا نفهم كل شيء، ولا نملك رأيًا في كل شيء.
مافيش داعي نحلل كل تصرف. مش كل صمت مؤامرة، ومش كل ابتسامة نفاق،
ومش كل اختلاف عداء شخصي. أحيانًا الناس فقط متعبة، أو لم تنتبه أصلًا.
مافيش داعي نعرف لماذا اختارت فلانة، ولماذا لم يتزوج فلان، ولماذا تغيّر فلان.
حياة الناس ليست مسلسلًا، وأنت لست مطالبًا بمتابعة كل حلقة.
مافيش داعي نشغل بالنا بأمور لا تضيف سلامًا، ولا علمًا نافعًا، ولا لقمة عيش.
مافيش داعي نعرف تفاصيل علاقات غيرنا، ولا أسرار بيوت لا تخصنا، ولا حسابات بنكية ليست لنا. الفضول الزائد ليس ذكاءً، بل قلق متنكّر.
هناك معلومات لا ترفعك بل تثقلك فقط فمافيش داعي نعيش على إيقاع الأخبار.. كل ساعة كارثة، كل يوم نهاية العالم، ثم نصحو صباحًا والعالم ما زال واقفًا، ونحن المنهكون فقط.
مافيش داعي نفهم كل شيء الآن؛ بعض الإجابات تأتي متأخرة، وبعضها لا يأتي أبدًا.
لا بأس فالعقل لا يحتاج أن يمتلئ، بل أن يرتاح.
مافيش داعي نثبت للكل أننا أذكى وأقوى وأكثر وعيًا؛ من يعرفك بصدق لا يحتاج برهانًا، ومن لا يريدك لن يقتنع مهما شرحت.
هناك علوم كاملة اسمها «خلّيك بحالك» لكن للأسف لا تُدرَّس في الجامعات.
باختصار هناك أشياء تركها ذكاء، وتجاهلها نعمة، وعدم الخوض فيها راحة بال.
«مافيش داعي» وأحيانًا قد يكون هذا أجمل قرار ممكن.
***
- كاتبة يمنية مقيمة في السويد