هدى بنت فهد المعجل
في زاويةٍ مهملة من البيت، حيث يتراكم الغبار كأنه طبقاتٌ من الزمن، تعيش حياةٌ أخرى لا نلتفت إليها. ليست حياة البشر ولا الحيوانات، بل حياة الأشياء التي خرجت من الاستعمال دون أن تخرج من الوجود. الأشياء المنسية لا تموت؛ إنها تتقاعد فقط، وتجلس في صمتٍ طويل تنتظر أن تُستدعى من الذاكرة كما تُستدعى صورة قديمة من درجٍ عتيق.
هناك كوبٌ مكسور الحافة، لم يُرمَ لأنه آخر ما تبقّى من طقمٍ كان يملأ الطاولة ضحكًا. وهناك مفتاحٌ بلا باب، يجهل الجميع إلى أي قفلٍ كان ينتمي، لكنه يحتفظ بوقارٍ غامض كأنه يعرف سرًّا لا يريد الإفصاح عنه. في هذه الزوايا، تتكدّس الحكايات دون أن تطلب أن تُروى، وتظلّ صامتة كأنها تؤمن أن الزمن وحده كفيلٌ بقراءتها.
الأشياء المنسية تشبه البشر الذين غادروا حياتنا دون خصومة. لم نودّعهم، ولم نغلق الأبواب خلفهم، فقط انزلقوا بعيدًا كما تنزلق ورقةٌ من كتابٍ قديم. لا نبحث عنهم، لكننا حين نعثر عليهم فجأة، نشعر بارتباكٍ عاطفي لا تفسير له. هكذا يحدث حين نجد دفتراً قديماً، فنفتح صفحاته بحذر، كأننا نخشى أن نستيقظ نحن أنفسنا لا الذكريات.
في هذه الحياة الصامتة، لا شيء يحدث ظاهريًا، لكن كل شيء يتغيّر ببطء. الغبار ليس مجرد غيابٍ للنظافة؛ إنه أرشيفٌ دقيق للحضور المنقضي. كل ذرةٍ منه تحمل مرور الأيام، وكل طبقةٍ منه تكتب سطرًا غير مرئي في سيرة المكان. حين نمسح الغبار، نحن لا ننظّف فقط، بل نمحو أثر الزمن، كأننا نعيد ترتيب الماضي وفق ما يسمح به الحاضر.
والأشياء، مثلنا، تتعب من الاستخدام المتكرر. القلم الذي كتب كثيرًا، يتباطأ حبره كأن الكلمات أثقلته. والكرسي الذي حمل أجسادًا عديدة، يئنّ بصوتٍ خافت، كأنه يشتكي من ذاكرةٍ لا يستطيع نسيانها. حتى الكتب التي لم تُقرأ منذ سنوات، لا تبقى محايدة؛ صفحاتها تنحني قليلًا، وكأنها تحاول أن تلتفت لمن مرّوا بها ذات يوم.
المفارقة أن الأشياء المنسية لا تفقد معناها، بل تكتسب معنى جديدًا. الهاتف القديم، الذي لم يعد يعمل، يتحول إلى شاهدٍ على نسخةٍ سابقة من حياتنا. الملابس التي ضاقت أو خرجت من الموضة، تتحول إلى قياسٍ لسنواتٍ مرّت دون أن نشعر. كل شيءٍ نتركه وراءنا يتحول إلى علامةٍ صامتة، تقول إننا تغيّرنا حتى لو ظننا أننا ثابتون.
وربما لهذا نخشى ترتيب الأماكن القديمة. لأن الترتيب ليس مجرد تنظيمٍ للمساحة، بل مواجهةٌ مباشرة مع أنفسنا الماضية. حين نفتح صندوقًا قديمًا، لا نخرج منه الأشياء فقط، بل نخرج شخصًا كنّاه ولم نعده. نلمس أوراقًا كتبناها بخطٍ مختلف، فنكتشف أن الوقت لم يمرّ فوقنا فقط، بل مرّ فينا أيضًا.
الأشياء المنسية لا تطلب العودة إلى الاستعمال، بل إلى الاعتراف. يكفي أن نلمسها، أن ننظر إليها، أن نبتسم لوجودها. كأنها تقول: أنا لم أعد نافعة، لكني ما زلت جزءًا من الحكاية. وفي هذا الاعتراف، يحدث شيءٌ غريب؛ نشعر بأن حياتنا ليست سلسلةً من الاستبدالات، بل نهرٌ يحمل معه كل ما مرّ به، حتى ما استقرّ في القاع.
في النهاية، لا شيء يضيع تمامًا. ما نظنه مهملًا، يعيش حياةً أخرى في صمت. وما نعتقد أنه انتهى، يتحول إلى شكلٍ جديد من الحضور. الأشياء المنسية ليست بقايا، بل طبقاتٌ منّا، محفوظة خارج أجسادنا. وحين نمرّ بجانبها دون أن ننتبه، تظلّ الأشياء المنسيّة تنتظر لحظةً واحدة فقط.. لحظة أن نراها، فنرى أنفسنا كما كنّا، لا كما أصبحنا.