صالح الشادي
دونالد ترامب شخصية استثنائية في التاريخ السياسي الأمريكي، تجمع بين متناقضات صعبة التوفيق: فهو براجماتي في أسلوبه لكنه اندفاعي في قراراته، صفقاتي في رؤيته لكنه أيديولوجي في توجهاته. منذ عودته للبيت الأبيض في ولاية ثانية، يثير جدلاً واسعاً حول شخصيته وأسلوب إدارته للحروب والملفات الكبرى.
التناقض الأبرز في تصريحات ترامب يظهر في تعامله مع الملف الإيراني. ففي يونيو 2025، أعلن «التدمير الكامل» للقدرات النووية الإيرانية بعد ضربات أمريكية، لكن بعد ثمانية أشهر فقط عاد ليحذر من أن إيران باتت على بعد «أسبوعين» من امتلاك القنبلة النووية. كما يتأرجح موقفه من التفاوض، فهو يهدد تارة بحرب شاملة ويتحدث تارة عن استعداده للتفاوض، مما يجعل من الصعب التكهن بتحركاته المقبلة.
من الناحية الشخصية، يرى المختصون أن ترامب تظهر عليه سمات واضحة: إعجاب مفرط بالذات، اعتقاد بالقدرة المطلقة، حاجة دائمة للإطراء، وضعف في التعاطف مع الآخرين. كما تظهر عليه سمات في رغبته المستمرة للاستعراض وجذب الأضواء. بعض المحللين يشيرون إلى أنه يتخذ قراراته من الأعلى للأسفل دون انتظار دراسات موسعة، ويحيط نفسه بأشخاص يقومون على «الولاء الكامل».
أما فيما يتعلق بكونه صاحب أجندة أم مفكراً لحظياً، فالواقع أنه يجمع بين الأمرين: لديه أجندة تقوم على «أمريكا أولاً».
داخل أمريكا، تكشف استطلاعات الرأي عن صورة معقدة. 6 من كل 10 أمريكيين يعتقدون أن ترامب بات «متقلب المزاج»، وتستقر شعبيته حول 40 % فقط. انخفضت نسبة من يصفونه بأنه «ذكي وقادر على التعامل مع التحديات» إلى 45 %، بينما يعبر 80 % عن قلقهم بشأن لياقته لخدمة فترة ولاية كاملة نظراً لتقدمه في السن (79 عاماً). رغم ذلك، يحتفظ بقاعدة جمهورية صلبة حيث يؤيده الغالبية العظمى من الجمهوريين.
خارج أمريكا، موقفه من قضايا الشرق الأوسط، خاصة دعمه المطلق لإسرائيل، يثير غضباً في العالمين العربي والإسلامي. كما أن سياساته الاقتصادية والتعريفات الجمركية تهدد النظام التجاري العالمي.
في الحرب الأخيرة على إيران (يونيو 2025 وفبراير 2026)، تبلورت تناقضات ترامب بوضوح. فقد نجح عسكرياً في توجيه ضربات مؤثرة للمنشآت النووية باستخدام قاذفات متطورة، وأظهر تفوقاً تكنولوجياً واضحاً. كما استخدم أسلوب «اللكمة الأولى» الذي أربك الخصوم. لكنه بالمقابل افتقر إلى استراتيجية خروج واضحة، وتنقل بين أهداف متضاربة: فمرة يقول إن الهدف تدمير البرنامج النووي، ومرة يتحدث عن تغيير النظام، ومرة يعلن وضع «فيتو» على اختيار المرشد الأعلى القادم، في سابقة قد تنتهك سيادة الدول.
البراجماتية التي يتحدث عنها ترامب في إدارة الحرب تبدو أقرب إلى «براجماتية اللحظة» منها إلى استراتيجية بعيدة المدى. نجاحاته تكتيكية وميدانية، لكن غياب الرؤية السياسية الواضحة يخلق فراغاً قد تملؤه قوى أخرى. التركيز على «الصفقات» بدلاً من «الحلول» المستدامة يجعل الصراع مفتوحاً على احتمالات التصعيد في أي لحظة. خلط الأهداف المعلنة (منع الانتشار النووي) بالأهداف غير المعلنة (تغيير النظام) يطيل أمد الحرب ويكلف أرواحاً وموارد بلا نهاية واضحة.
في المحصلة، يبقى ترامب ظاهرة سياسية فريدة: نجح في توجيه رسالة قوة عسكرية، لكنه فشل في تقديم رؤية قادرة على إنهاء الصراعات بشكل مستقر. يمثل تحدياً كبيراً للدول التي اعتادت على نمط تقليدي في العلاقات الدولية، فالتعامل مع رئيس قد يغير موقفه في غضون ساعات يتطلب ذكاءً دبلوماسياً عالياً. وفي منطقة الشرق الأوسط، تظل تداعيات حربه الثانية على إيران مفتوحة على كل الاحتمالات، وسط مخاوف من أن يؤدي أسلوبه الصدامي إلى إشعال صراع أوسع تدفع شعوب العالم ثمنه وليس المنطقة فقط.