خالد بن حمد المالك
مثلما أمهل الرئيس الأمريكي ترامب إيران 48 ساعة، والطلب منها بما يشبه الاستسلام، وإن لم تفعل فسوف ترى الدمار الشامل، ثم تراجع ليعطي فرصة جديدة ومدتها هذه المرة خمسة أيام، مقرونة بعدها بإيقاف وقف إطلاق النار، بشروط أمريكية إسرائيلية، حُدِّدت بـ15 بنداً، غير أن إيران لم تتفاعل لا مع المهلة الأولى ولا مع المهلة الثانية، وظلت تطالب بشرطين لإيقاف القتال، أحدهما التعهد لإيران بعدم تكرار مثل هذا الهجوم، والآخر أن يتم تعويضها عن الخسائر التي تعرَّضت لها.
* *
الرئيس الأمريكي يقول إنه تفاهم مع رئيس مجلس النواب الإيراني، وإن لم يسمه بالاسم، مكتفياً بالقول بأنه شخصية كبيرة ومقبولة، فيما نفى الأخير أي تواصل مع الرئيس أو مع أي من أركان حكومته، وأن الشعب الإيراني ملتزم بالدفاع عن وطنه، وأن ما صرَّح به الرئيس ترامب كان الهدف منه كسب الوقت، والتأثير في عدم صعود أسعار النفط، وأكد بما قاله بأن المحادثات التي أشار إليها ترامب، والتواصل الذي تحدث عنه هو من جانبه ونتنياهو، ولم تنخرط فيه إيران.
* *
لكن بعد تصريح الرئيس ترامب، ارتفع مستوى التصعيد، وزادت الضربات في إيران وإسرائيل والعراق ولبنان، ما أصاب الجميع بالدهشة بين ما قاله الرئيس الأمريكي وما يجري في الميادين والساحات القتالية، ليؤكد ذلك أن الأيام الخمسة التي حددها ترامب لن تكون نتائجها بأحسن حالاً من نتائج الـ48 ساعة، خاصة وأن الـ15 بنداً التي تُعرضها أمريكا على إيران تصل إلى حد الاستسلام كما يتوقعه المحلِّلون، حتى وإن تم تخفيفها لمنع استمرار الحرب.
* *
الرئيس الأمريكي يبدو أنه كان متفائلاً كثيراً بقبول وترحيب إيران بمقترحه، وعدم ممانعة إسرائيل الذي قال إنها ستكون سعيدة به، غير أن ما هو متوقَّع أن إيران لن تقبل بالتخلي عن حيازة الصواريخ، وسوف تصر على الاحتفاظ بمخزونها من اليورانيوم، وأن لا مشاركة أمريكية في إدارة مضيق هرمز، فضلاً عن رفض فك الارتباط مع وكلائها وأذرعتها في عدد من دول المنطقة، وكلها مطالب إقليمية ودولية، كما هي مطالب أمريكية وإسرائيلية، ما يعني أن الحرب ستتواصل، وتالياً فإن الخسائر البشرية والاقتصادية ستصل إلى أرقام كبيرة.
* *
وكان يمكن أن تعالج الأزمة الإيرانية التي بدأت منذ سقوط الشاه، وتولي الخميني زمام الأمور في قيادة البلاد، والتخطيط الإيراني لتصدير الثورة لدول المنطقة، ما جعل اتجاه طهران يقوم على تكثيف الصناعات العسكرية، والعمل على أن تكون دولة نووية، وأن تزرع لها ميليشيات داخل عدد من الدول لتكون أذرعة لها في تهديد الاستقرار في المنطقة، غير أن الأسلوب الذي اتبعته أمريكا في التعامل مع النظام الإيراني، بُني على محاولات لأن تكون إيران حليفة لها إلى جانب إسرائيل في المنطقة، لكن ذلك لم يقابل من إيران إلا بالتوجس من النوايا والأهداف التي تضمرها واشنطن للدولة الفارسية، ما جعلها تتجه لإقامة علاقات مع دول منافسة لأمريكا، وترفض أي تعاون مع أمريكا.
* *
وفي ظل هذا المناخ في العلاقات الأمريكية الإيرانية المتوترة، لم تكن أمريكا جادة في حسم موضع الخلاف مع طهران، إلى أن جاء ترامب، واستجاب لضغط من نتنياهو فقام بهذه المغامرة التي لم يحسب لها التقديرات التي يمكن أن تفرز عنها، وبدلاً من تحجيم التوجه العدائي الإيراني في الإخلال بأمن المنطقة، خاصة وأن العقوبات لم تغيِّر من سياسة إيران العدائية، وإنما زادت من إصرارها على تنفيذ أجندتها، وكان على أمريكا أن تتجه نحو التعامل الدبلوماسي الحقيقي بين الجانبين، لكن يبدو أن الشعور الأمريكي الإسرائيلي بأن إنهاء حركة حماس، وإضعاف حزب الله وغياب التواجد الإيراني في سوريا كافية لتحييد القوة الإيرانية المتصاعدة وإضعافها عسكرياً باستخدام القوة، وهذا ما سوف نراه في المستقبل.