د. طلال الحربي
ثمة لحظات تشعر فيها أن المدينة تتنفس بشكل مختلف، وأن شوارعها وحدائقها لم تعد مجرد فضاءات للعبور، بل صارت أماكن للوجود والفرح والتلاقي. هذا بالضبط ما عاشته الرياض في أيام عيد الفطر المبارك هذا العام، حين أطلقت أمانة المنطقة برنامج «عيد الرياض» بروح لافتة وحضور يستحق الوقوف عنده. سبعٌ وسبعون فعالية «حوامة» في أحياء العاصمة المختلفة، لا في مكان واحد أو حديقة مركزية يقصدها من يعرف طريقها، بل في أحياء السكان أنفسهم، في ساحات وحدائق حيّهم وشوارعهم التي يعرفونها خطوة خطوة. هذا الاختيار وحده يحمل رسالة: العيد ليس مناسبة تُنظَّم في مكان بعيد وتُعلَن في نشرة الأخبار، بل هو أجواء تُصنع حيث يعيش الناس. ما لفت الانتباه في هذا البرنامج أنه لم يكتفِ بالحضور المؤسسي الرسمي، بل أشرك الجهات غير الربحية وسكان الأحياء أنفسهم في صناعة الحدث. وهذا نهج مختلف في جوهره، إذ يحوّل المواطن من متلقٍّ للخدمة إلى شريك فاعل في صناعة أجواء مجتمعه. حين يشارك السكان في تنظيم فعالية حيّهم، فإن علاقتهم بالمكان تتعمَّق، وانتماءهم له يترسَّخ، وذاكرتهم المشتركة تمتلئ بما يستحق الاحتفاظ.
الأطفال تحديداً كانوا في صميم هذا الاهتمام، فالحوامات التي أضاءت سماء الأحياء كانت في حقيقتها بسمات على وجوه صغار يتلقّون في هذه الأيام أولى دروسهم عن معنى العيد وما يحمله من فرح مشترك. وليس بمستغرب أن تبقى مثل هذه اللحظات عالقة في الذاكرة لسنوات طويلة، يستعيدها الإنسان حين يكبر ويسأل نفسه: متى كانت أجمل أعياد طفولتي؟
قدّر لي أن أزور إحدى هذه الفعاليات في حديقة قرطبة، وما شهدته كان أبلغ من أي وصف. كان منسوبو قطاع الشرق في أمانة الرياض حاضرين بين الأهالي والزوار، لا على هامش الفعالية، بل في قلبها، يتابعون كل تفصيل بعين حريصة وبابتسامة لا تغيب. ذلك الحضور الميداني الذي لا يختبئ خلف طاولات التنظيم، بل يمشي بين الناس ويتأكد أن كل شيء يسير كما ينبغي، هو الوجه الحقيقي للعمل المؤسسي الناجح. في كل هذا بصمة واضحة لسمو أمين منطقة الرياض الأمير الدكتور فيصل بن عبدالعزيز بن عياف، الذي بات معروفاً بنهجه في متابعة التفاصيل وعدم الاكتفاء بالإشراف من بُعد. حين تُترجَم التوجيهات إلى فعاليات تمس الناس في أحيائهم وتُدخل البهجة على أطفالهم، فذلك لا يحدث مصادفةً، بل هو نتاج قناعة مؤسسية بأن الخدمة ليست مهمة إدارية فحسب، بل هي مسؤولية إنسانية.
الرياض التي نعرفها اليوم مدينة تتجاوز حدود التوقعات يوماً بعد يوم، وعيدها هذا العام لم يكن استثناءً، كان رسالةً مؤداها أن الفرح العام قابل للصناعة والتوزيع، وأن البهجة حين تُوزَّع لا تتناقص، بل تتضاعف.