ملاك الخالدي
هنا الجوف أرض الإنسان الحضاري، الذي يعود تاريخه لنشأة الإنسان الأول، ذلك الإنسان الذي أشاد «الشويحطية» الموئل الأقدم للحضارة فكراً وعملا وأملا، فمضى إنسانها المستنير بصناعة الحياة، فابتكرَ من اللاشيء كل أشيائه، فصنع من بيئته أدوات معيشته وسُبل حياته وأمان مستقبله.
توهج هذا الإنسان الفنّان في العهد السعودي الرغيد وأصبح محور وهدف ووسيلة التنمية التي توهجت برؤية 2030 لبناء المجتمع الحيوي الناهض بالتطلعات الوطنية الكبرى.
أبناء الجوف هم أصحاب الصدور الشمالية المتسعة، قلوبهم سخية بالحب والترحاب للجميع، بيوتهم مفتوحة للقريب والبعيد، للضيف والزائر من كل مكان، فلهم مواقف عظيمة مع البعيد فكيف بالقريب ؟!
فهم الذين عُرف عنهم التشارك لتزويج المغتربين الذين يعملون معهم ولديهم، وهم الذين يفتحون مجالسهم للعزاء حين يحل مُصاب الفقد بالوافد الذي لا تتسع داره، فيجعلون من بيوتهم مكاناً وأماناً واطمئناناً له ولأسرته، وهم الذين يُعينون على المكارم ويتسابقون لفعل الخيرات، وهم أصحاب المجالس المُشرعة والقهوة العامرة و(الحلوة) الممتدة في كل مكانٍ وزمان، فالمارُّ يدلفُ إلى المجلس حتى في غياب صاحبه، وهذا سِلمٌ توارثهُ أهل الجوف ومن عاداتهم الأثيرة الكثيرة، و(الحلوة) هي تمرة أهل الجوف الفاخرة وسُمّيت بذلك لشدة حلاوتها.
أبناء الجوف متطوعون بالفطرة، باذلون للخير والمعروف، ووطنيون بامتياز، لذا احتضنوا مفاهيم التطوع والعمل التشاركي الجماعي الذي تبلور مؤخراً في عدد من الجمعيات والجهات المعطاءة ومنها جمعية (تواد) للنشاط الاجتماعي والأُسري و(يمناكم) للعمل التطوعي ولجنة (تراحم) للعمل الوطني الإنساني وجمعية (الشباب) و(نُبل) للعمل التنموي الشبابي وغيرها الكثير، كل هذا بشغف وعطاء كبير.
لذا هم يحملون اليوم التنمية الوطنية في قلوبهم وعقولهم ويترجمونها عملاً صادقاً ليحققوا تطلعات وطنهم العظيم.
فالجوف تحتضنُ عدداً من المقومات التنموية الهامة ولعلني أقف عليها عبر ثلاثة نقاط:
-1 الاستثمار الزراعي: نحن نتحدث اليوم عن أرض تضم ثمانية عشر مليون شجرة زيتون ومليون نخلة بالإضافة للأشجار والنباتات الأخرى، أرض تحتضن 3500 مشروع زراعي و12500 مزرعة و8 شركات زراعية .
ولقد شهدت صناعة الزيتون إلى جانب إنتاج الزيت والتمور والمحاصيل الزراعية والفاكهة وغير ذلك من الأصناف، كميات كبيرة تغطي الأسواق المحلية والخليجية، فلقد تجاوزت كمية إنتاج منطقة الجوف منها 170 ألف طن سنوياً كما جاء في تقرير لوكالة الأنباء السعودية 2021 والإنتاج في ازدياد، لهذا أصبحت الجوف اليوم سلة غذاء الوطن.
-2 الطاقة المتجددة: مشاريع محطات توليد الطاقة النظيفة كمحطة سكاكا للطاقة الشمسية ومحطة دومة الجندل لطاقة الرياح القائمة حالياً ومحطات القريات وطبرجل التي سيتم افتتاحها قريباً بإذن الله، هذه المحطات القائمة على توليد كهرباء دائمة من مصادر طبيعية لا تفنى ولا يتأثر إنتاجها بوفرة الوقود أو انخفاضه أو تغيّر أسعاره، مما يؤدي إلى جذب واستمرارية المشاريع التنموية وضمان بقائها وتطوّرها واتساعها.
ويأتي هذا توطيداً للدعائم المُثلى لاستقرار وتنمية الإنسان بشكل فاعل ودائم في منطقة الجوف.
-3 السياحة التراثية: تعود آثار منطقة إلى بداية النشوء الإنساني، فهي تضم عدداً من المواقع الأثرية التي تعود بتاريخها إلى عهود بعيدة وثقافات فريدة مما يعكس البُعد التاريخي والثقافي لهذه المنطقة.
ومنها حصن (زعبل) الشهير وقلعة (مارد) وأعمدة الرجاجيل وقصر كاف ونقش الجمل وغيرها الكثير.
وتعد منطقة الجوف اليوم ومع اكتشاف الجديد من الآثار والاعتناء بالمواقع الأثرية وترميمها وتنظيم عملها إحدى أهم وجهات السياحة التراثية لاحتضانها أميز وأعرق المعالم الأثرية.
نحن أمام أرض تكامل فيها الإنسان والمكان، هذه الأرض اليوم في ضوء قيادة رشيدة متطلعة ورؤية 2030 المضيئة ويعمل على تحقيقها رجلٌ مُخلص ذو فكرٍ نيّر فأمير منطقة الجوف فيصل بن نواف بن عبدالعزيز ماضٍ في تحقيق الأهداف الوطنية الكبرى بخطوات نوعية متسارعة.
***
- كاتبة وشاعرة/ منطقة الجوف