د. إبراهيم بن جلال فضلون
«إذا التقت القاهرة والرياض، سكتت الفوضى وتكلم التاريخ»، وعن النعمان بن بشير -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى»، وهو ما يصدق فعلاً قبل القول في العلاقات العربية لاسيما «العلاقات المصرية السعودية.. قلبا الأمة العربية، فلا غنى للعرب عن مصر، ولا غنى لمصر عن العرب»، لنختصر مسارا طويلٍا من التاريخ المشترك بينهما؛ مسار لم يكن يومًا مجرد تقاطع مصالح عابر، بل كان ولا يزال شُريانًا رئيسًا في الجسد العربي، عنوانهُ (قلبٌ واحد.. ومصيرٌ مشترك)، تتدفق فيه اعتبارات الأمن القومي، ومقتضيات الاقتصاد، وضرورات التوازن الإقليمي في عالم مُتلقب الودّ، وفي ظل إقليمٍ مضطرب، تبدو هذه العلاقة وكأنها صمام الأمان الأخير أمام رياح التفكك والاحتراب، حيثُ تتصاعد أدخنة الحروب فوق مياه الخليج وتضيق ممرات الملاحة في البحر الأحمر، تأتي زيارة الرئيس السيسي إلى جدة لتعيد رسم «الخطوط الحمراء» العربية، في لقاءٍ ليس بروتوكوليًا، بل أمام «إعلان استقلال إستراتيجي» لقطبين يرفضان أن تكون الجغرافيا العربية ساحةً لتصفية الحسابات بين واشنطن وتل أبيب وطهران.
أولًا- جدة.. رئة القرار التي لم تكن جدة يوماً مجرد محطة، بل هي «مطبخ» السيادة عبر القمم الكبرى عالمياً وعربياً، فحضور القيادة المصرية في قلب المملكة هو رد صريح على محاولات «عزل» القرار العربي أو إلحاقه بمشاريع عسكرية خارجية، فالرياض والقاهرة تدركان اليوم أن أمن «باب المندب» ومضيق «هرمز» ليس ملفاً دولياً، بل هو صلب الأمن القومي العربي الذي لا يُقبل فيه التفويض.
ثانيًا- اختبار النضج الإستراتيجي: فعلى الرغم من هذا العمق، فإن العلاقات لا تخلو من تحديات وعقبات، إلا أن الفارق يُكمن في كيفية إدارة هذه التحديات.
ثالثًا- حائط الصد الأخير: وهو التوافق العربي لاسيما (المصري-السعودي) في ملفات المنطقة والحرب الدائرة كما في ملفات السودان، ليبيا، وأمن البحر الأحمر، هو ما يمنع انهيار «النظام الإقليمي»، الذي أكده بيان الجامعة العربية الأخير، المدفوع برؤية القاهرة والرياض، «لا توريط للعرب في صراعات المحاور» فالقوة العسكرية المصرية والثقل الجيوسياسي السعودي هما «بيضة القبان» التي تمنع انفجار الصراع الشامل وتحفظ أسعار الطاقة من بلوغ عتبة 180 دولاراً كما توقعناها وقد تعدت بالفعل 120 دولار منذ اسبوعين، وهو الرقم الذي يرتجف منه العالم الغربي.
فحين نقول إن مصر والسعودية ركيزتا الأمن العربي، فذلك ليس خطابًا إنشائيًا، وليس شعارًا بل فعلًا، ولعل زيارة ولي العهد السعودي إلى القاهرة وما سبقها وتلاها من زيارات، ليست بروتوكولًا دبلوماسيًا فحسب، بل رسالة سياسية بأن القاهرة والرياض تتحركان باعتبارهما مركز الثقل العربي في لحظة اختلال التوازنات الدولية، فالتنسيق بين البلدين وصل لأقصى الأخوية في الدم والدين وكل شيء، في ملفات ترتبط مباشرة بمفهوم الأمن القومي العربي، ونراها في تأمين الملاحة في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، ودعم الاستقرار في اليمن والانتقال السياسي في السودان، ومنع تفكك الدولة الليبية.
رابعًا: الاقتصاد.. حيثُ لا سيادة بلا رصيد، فالتبادل التجاري قفز ليتجاوز 16.5 مليار دولار، بنمو قدره 48 %عن العام الماضي، وتجاوزت الاستثمارات السعودية في مصر حاجز 50 مليار دولار، مع تحول جذري من «الدعم المباشر» إلى «الاستثمار الإنتاجي» في الهيدروجين الأخضر والربط الكهربائي، كما ارتفع عدد الشركات المصرية في المملكة إلى 1400 شركة باستثمارات تتجاوز 7 مليارات دولار، هذه الأرقام، تؤكد حقيقة واحدة أن الاقتصاد بات شريكًا متكافئًا للتاريخ في صناعة المستقبل. ومع رؤية السعودية 2030، وخطة مصر للتنمية المستدامة 2030، تتقاطع الأولويات في تنويع الاقتصاد، وتقليل الاعتماد على الموارد التقليدية، وجذب الاستثمارات النوعية، ومن أبرز المجالات الواعدة (الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر، ومشاريع الربط الكهربائي، والصناعات الدوائية والغذائية والتكنولوجيا والاقتصاد المعرفي، اضافةً إلى السياحة الساحلية ومشروعات البحر الأحمر).
خامسًا محور الاستقرار العربي كحجر الزاوية في معادلة الاستقرار الإقليمي، لعدة اعتبارات:
ثقل سكاني وعسكري مصري.
ثقل اقتصادي وطاقوي سعودي.
موقع جغرافي يتحكم في أهم الممرات البحرية العالمية.
هذا التكامل يمنح البلدين قدرة فريدة على (احتواء الأزمات بدل تصديرها، وفرض حلول سياسية بدل الانجرار للحلول العسكرية، وإعادة تشكيل التوازنات بما يخدم المصالح العربية).
سادسًا : ماذا بعد؟.. فالعرب اليوم أمام اختبار مزدوج: أولاها: إدارة الأزمات الإقليمية دون الانجرار إلى صراعات مباشرة. ثُم تحويل الشراكة الاقتصادية إلى تكامل حقيقي، لا مجرد شعارات في عالم تتزايد فيه كلفة النزاعات، التي كلفت الشرق الأوسط أكثر من 2.5 تريليون دولار خلال العقد الماضي، وهددت أمن الطاقة العالمي عبر اضطراب الإمدادات وارتفاع الأسعار، لذا تتبنى القاهرة والرياض مقاربة تقوم على (تعزيز الحلول الدبلوماسية ودعم مسارات التهدئة والحفاظ على استقرار أسواق الطاقة العالمية)، وهي رؤية تعكس إدراكًا عميقًا بأن الحروب لم تعد تحقق انتصارات، بل تخلق فراغات وفوضى ممتدة.
وقفة قلب:
قلبان.. وأمة واحدة، إذا استقر القلبان، استقرت الأمة، حقيقة إستراتيجية، لا مُجرد تحالف سياسي، بل قدر جغرافي وتاريخي، قامت عليها العلاقة في السراء والضراء، في زمن الحرب كما في زمن التنمية، لاسيما وسط عالم يتغير بسرعة، وتتصاعد فيه النزاعات والهويات الضيقة، فنحنُ لا ننتظر حلولاً من وراء البحار، بل نصيغها بمداد السيادة والاعتماد على الذات.
ويبقى الرهان الأكبر أن تتحول هذه الشراكة من قوة دفاعية تحمي الواقع، إلى قوة هجومية تبني المُستقبل مُستقبلًا عربيًا أكثر تماسكًا، وأكثر قدرة على فرض إرادته في عالم لا يعترف إلا بالأقوياء، والقوة تبدأ من «وحدة الصف» وانتزاع القرار من براثن القوى الكبرى.
وصدق أبو الطيب المتنبي حين قال:
«إِذَا غَامَرْتَ فِي شَرَفٍ مَرُومِ
فَلا تَقْنَعْ بِمَا دُونَ النُّجُومِ.»