باسم سلامة القليطي
من أسمى فوائد الأزمات، على مرارتها، أنها تعمل كـ»مختبر للأخلاق» ومصفاة حقيقية للعلاقات؛ فهي لا تترك مجالاً للمجاملات الباردة أو الأقنعة المزيفة، بل تضع الجميع أمام مرآة الحقيقة.
في ظل ما تواجهه دول الخليج العربي، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، من استهداف مستمر وعدوان سافر من النظام الإيراني، تتجلى لنا صور شتى من معادن البشر. هذا العدوان ليس وليد الصدفة، بل هو نهج دولة طالما اقتاتت على إثارة الفتن وتصدير الفوضى، ودعم المليشيات الإرهابية التي لا تتقن سوى لغة الدمار، وصولاً إلى حرب المخدرات التي تستهدف عقول شبابنا وقوة مجتمعنا.
ليس غريباً أن يكون هناك خصم، ولا جديد أن تمارس بعض الدول سياسات عدائية أو تحيك مؤامرات عبر أدواتها المختلفة، فهذه طبيعة الصراعات عبر التاريخ. لكن الغرابة الحقيقية حين تجد من يتبنى خطاب هذا الخصم، ويبرر أفعاله، بل ويصفق لها أحياناً. هؤلاء لا ينظرون للصورة الكاملة، بل يختزلونها في زاوية ضيقة تخدم قناعات مسبقة، أو أوهاماً غذّتها سنوات من التضليل. يتجاهلون الأذى المباشر، ويغضّون الطرف عن الخطر القريب، فقط لأن هناك شعاراً أو موقفاً ظاهرياً يوافق ما يريدون تصديقه.
فهؤلاء الجهلاء ينساقون خلف عواطف جياشة تفتقر لأدنى درجات الوعي، يتعاطفون مع قتلة مأجورين، ويذرفون الدموع على رحيل طغاة لم يعرف التاريخ منهم سوى القمع والتنكيل. وجوه كالحة وأصوات نشاز، تبرر الإجرام الإيراني، رغم أن هذا النظام لا يحترمهم أساساً ولا يراهم إلا أدوات لتنفيذ أجنداته التوسعية. إنه الجهل المُطبق الذي يجعل المرء يرى السراب ماء، ويظن أن من يزرع الموت في عواصم عربية عديدة هو المنقذ المنتظر، متجاهلين الحقائق الدامغة على أرض الواقع.
تكمن المشكلة الحقيقية في عقول غُذيت لسنوات على موائد الشائعات والأكاذيب الإعلامية الممنهجة، حتى فقدت القدرة على التمييز بين الحق والباطل. هؤلاء ضحايا لغسيل أدمغة جعلهم ينساقون خلف التحريض الإعلامي، مدفوعين بنفوس مريضة بالحسد والمقارنة الظالمة، واستدعاء تاريخ من النجاحات المزيفة التي كانت مجرد صدى لإنجازات الاستعمار. وبدلاً من الاعتراف بالحق والعمل على الإصلاح، يصبون جام غضبهم وشماتتهم على من حقق النجاح والاستقرار والبناء بجهده وعرقه.
والبعض يرى الصواب بوضوح الشمس، لكنه يتركه مكابرة وعناداً؛ فالحق ثقيل على من اعتاد العيش في وحل الباطل. وإن لؤم الطباع حين يجتمع مع ضيق الأفق يُنتج هذه الحالة من «الشماتة» التي هي في الحقيقة تعبير عن عجز داخلي، وخلل في منظومة القيم.
ختاماً، «لكل داء دواء يستطب به.. إلا الحماقة أعيت من يداويها». إن كنت لا تعلم فاسأل، وإن كنت لا تفهم فالسكوت أفضل قرار، وفي أوقات كثيرة يكون الصمت هو القرار الأكثر حكمة وكرامة. إن هذه الأرض المباركة ستظل صامدة بوجه المؤامرات وبوجه الشامتين، وخيرها سيبقى متدفقاً بإذن الله، أما أصحاب النفوس المريضة فسيظلون أسرى لأوهامهم وحقدهم، ولن يحصدوا من مواقفهم المخزية سوى الخيبة والندم حين ينجلي الغبار وتنكشف الحقائق كاملة.