عماد بن حمود الرحبي
لم تعدْ وسائلُ التواصلِ في حياتِنا مجردَ أدواتٍ للترفيهِ أو تبادلِ الأخبارِ والصورِ، بل أصبحتْ قوةً يوميةً تشاركُ في تشكيلِ الذوقِ، وتوجيهِ اللغةِ، وصناعةِ الانطباعاتِ، بل وحتى إعادةِ رسمِ بعضِ السلوكياتِ داخلَ المجتمعِ؛ وحينَ يصلُ الأمرُ إلى هذا المستوى من التأثيرِ، فإنَّ المسألةَ لا تعودُ شأنًا تقنيًا عابرًا، بل تصبحُ قضيةً اجتماعيةً وثقافيةً تستحقُّ التأملَ الجادَّ، خصوصًا في ظلِّ النقاشِ الرسميِ الدائرِ في عُمانَ حولَ التحولاتِ السلوكيةِ وأثرِ الفضاءِ الرقميِ على القيمِ والعلاقاتِ والوعيِ العامِ.
المشكلةُ ليستْ في التقنيةِ نفسِها، فالتقنيةُ في أصلِها وسيلةٌ، وقد منحتِ الناسَ فرصًا واسعةً للتعلمِ والتعبيرِ والتواصلِ ونقلِ المعرفةِ؛ لكنَّ الخللَ يبدأُ حينَ تتحولُ الشاشةُ من نافذةٍ نافعةٍ إلى مرآةٍ مشوشةٍ، يرى الإنسانُ من خلالِها العالمَ على نحوٍ منقطعٍ عن التوازنِ والعمقِ والتهذيبِ؛ فحينَ يعتادُ الناسُ لغةَ السخريةِ، وتُكافأُ المبالغةُ، ويعلو الصخبُ على المعنى، وتُقاسُ القيمةُ بعددِ المشاهداتِ لا بوزنِ الفكرةِ، يبدأُ المجتمعُ في دفعِ ثمنٍ لا يظهرُ سريعًا في الإحصاءاتِ، لكنَّهُ يتسربُ بهدوءٍ إلى السلوكِ اليوميِ وإلى طريقةِ الحديثِ وإلى نظرةِ الناسِ لبعضِهم بعضًا.
لقد أصبحَ من السهلِ اليومَ أن يكتبَ المرءُ ما لا يقولُهُ وجهًا لوجهٍ، وأن يطلقَ حكمًا قاسيًا في لحظةِ انفعالٍ، وأن يعيدَ نشرَ مادةٍ غيرِ متحققٍ منها بدافعِ الفضولِ أو الاستعجالِ، ثم يمضي وكأنَّ شيئًا لم يكنْ؛ وهنا تكمنُ الخطورةُ الحقيقيةُ: أن تضعفَ هيبةُ الكلمةِ في النفوسِ، وأن يتراجعَ الشعورُ بالمسؤوليةِ أمامَ ما يُنشرُ ويُعادُ تداولُهُ؛ وهذا تحديدًا ما جعلَ المختصينَ في عُمانَ يؤكدونَ مؤخرًا أنَّ الكلمةَ في الفضاءِ الرقميِ ليستْ تعبيرًا عابرًا، بل مسؤوليةٌ أخلاقيةٌ وفكريةٌ تؤثرُ في وعيِ المجتمعِ وتماسكهِ، وأنَّ التثبتَ قبلَ النشرِ ضرورةٌ لحمايةِ الثقةِ والاستقرارِ الاجتماعيِ.
ولعلَّ أكثرَ ما يستحقُّ التوقفَ هو أنَّ التأثيرَ السلبيَّ للمنصاتِ لا يظهرُ فقط في الشائعاتِ، بل في أمورٍ تبدو أصغرَ وأخطرَ في الوقتِ نفسهِ: في طريقةِ اختلافِنا، وفي أسلوبِ نقدِنا، وفي سرعةِ غضبِنا، وفي تراجعِ مساحةِ التفاهمِ بينَ الأجيالِ، وفي انجذابِ بعضِ الشبابِ إلى نماذجَ تصنعُ الضجيجَ أكثرَ مما تصنعُ القيمةَ؛ فالمجتمعُ لا يتغيرُ دائمًا بقراراتٍ كبرى، بل يتغيرُ أحيانًا بالتراكمِ البطيءِ لعاداتٍ صغيرةٍ تتكررُ كلَّ يومٍ حتى تصبحَ مألوفةً؛ وما كانَ يُعدُّ قبلَ سنواتٍ خروجًا عن الذوقِ العامِ، قد يصبحُ مع كثرةِ التكرارِ سلوكًا عاديًا لا يثيرُ الانتباهَ.
وهنا ينبغي أن نكونَ صريحينَ مع أنفسِنا: ليستْ كلُّ حريةٍ نضجًا، وليستْ كلُّ جرأةٍ وعيًا، وليستْ كلُّ شهرةٍ نجاحًا؛ فبعضُ المحتوى لا يبني شخصيةً، بل يستهلكُها؛ وبعضُ الخطابِ لا يوسعُ أفقَ الشبابِ، بل يدفعُهم إلى التقليدِ السطحيِ والبحثِ عن الحضورِ السريعِ ولو على حسابِ الوقارِ والمعنى؛ وحينَ يضعفُ حضورُ القدوةِ الجادةِ أمامَ بريقِ المحتوى الخفيفِ أو المستفزِ، فإنَّ الخسارةَ لا تكونُ فرديةً، بل تمتدُّ إلى الذائقةِ العامةِ وإلى صورةِ النجاحِ في عقولِ الصغارِ قبلَ الكبارِ؛ وهذا هو جوهرُ القلقِ الذي عبرتْ عنه التوجيهاتُ الرسميةُ حينَ تحدثتْ عن ضعفِ الروابطِ المجتمعيةِ، وتراجعِ أثرِ القدواتِ الإيجابيةِ، والحاجةِ إلى تعزيزِ السلوكِ البنّاءِ في مواجهةِ التأثيراتِ السلبيةِ للمنصاتِ الرقميةِ.
إنَّ السؤالَ اليومَ لم يعدْ: هل تؤثرُ وسائلُ التواصلِ في المجتمعِ؟ فهذا صارَ أمرًا أوضحَ من أن يُجادلَ فيهِ؛ السؤالُ الأهمُّ هو: أيَّ مجتمعٍ نريدُ أن نصنعَهُ من خلالِها؟ هل نريدُ فضاءً رقميًا يعلّمُ أبناءَنا الصبرَ والاحترامَ والتثبتَ، أم فضاءً يربّيهم على الاستهزاءِ والاستعجالِ والعيشِ في سباقٍ لا ينتهي من المقارناتِ والانفعالاتِ؟ هل نريدُ منصاتٍ تعينُ على بناءِ الوعيِ، أم منصاتٍ تستهلكُ الأعصابَ وتختطفُ الوقتَ وتخلطُ بينَ الرأيِ والمعلومةِ وبينَ النقدِ والإساءةِ؟ هذا السؤالُ لم يعدْ ثقافيًا فقط، بل أصبحَ سؤالًا وطنيًا يرتبطُ بسلامةِ النسيجِ الاجتماعيِ وجُودةِ الحوارِ العامِ.
ولذلكَ فإنَّ المعالجةَ لا ينبغي أن تُختزلَ في التحذيرِ من الشائعةِ وحدَها، ولا في مطالبةِ الناسِ بأن «يستخدموا المنصاتِ بشكلٍ أفضلَ» ثم نكتفي بذلكَ؛ فالمطلوبُ أعمقُ من هذا؛ نحنُ بحاجةٍ إلى تربيةٍ رقميةٍ تبدأُ من البيتِ، حيثُ يتعلمُ الأبناءُ أنَّ الكلمةَ مسؤوليةٌ، وأنَّ الاحترامَ لا يسقطُ خلفَ الشاشةِ، وأنَّ التحققَ فضيلةٌ لا تعطيلٌ؛ ونحتاجُ كذلكَ إلى مدرسةٍ وجامعةٍ وإعلامٍ ومؤسساتٍ تقدمُ نماذجَ جادةً ومقنعةً، لا مواعظَ جافةً تنتهي بانتهاءِ المناسبةِ؛ فالمعركةُ هنا ليستْ مع جهازٍ في اليدِ، بل مع أنماطِ سلوكٍ تتشكلُ وتتكرسُ كلَّ يومٍ.
كما أنَّ على الجهاتِ المختلفةِ أن تسبقَ الفراغَ بالبيانِ، وأن تقربَ المعلومةَ الصحيحةَ من الناسِ بلغةٍ واضحةٍ وفي وقتِها، لأنَّ الفراغَ المعلوماتيَّ هو التربةُ التي تزدهرُ فيها الرواياتُ المرتبكةُ والمبالغاتُ والقراءاتُ المضللةُ؛ وكلما كانتِ الحقيقةُ قريبةً ومفهومةً وسريعةً، ضاقتِ المساحةُ التي تتحركُ فيها الشائعةُ، وضعفَ الأثرُ الذي تتركهُ المنصاتِ حينَ تستغلُّ التوترَ والالتباسَ؛ ولهذا جاءَ التأكيدُ الرسميُّ مؤخرًا على أنَّ مواجهةَ المعلوماتِ المضللةِ مسؤوليةٌ مشتركةٌ بينَ المؤسساتِ والأفرادِ والجهاتِ الرسميةِ، وأنَّ الرجوعَ إلى المصادرِ المعتمدةِ هو خطُّ الدفاعِ الأولِ.
لكنَّ مع كلِّ ذلكَ، تبقى المسؤوليةُ الفرديةُ هي الأساسُ؛ فالمجتمعُ لا تحميهِ الأنظمةُ وحدَها إذا كانَ أفرادهُ يستهينونَ بما يكتبونَ ويشاركونَ؛ والمواطنةُ اليومَ لا تتجلى فقط في احترامِ القانونِ في الشارعِ أو مكانِ العملِ، بل أيضًا في احترامِ الحقيقةِ على الهاتفِ، وفي الامتناعِ عن نشرِ ما يربكُ الناسَ أو يسيءُ إليهم أو يفتنُ بينهم؛ فليسَ كلُّ ما يمكنُ نشرُهُ يستحقُّ أن يُنشرَ، وليسَ كلُّ ما يثيرُ الانتباهَ نافعًا، وليسَ كلُّ ما يحصدُ التفاعلَ جديرًا بالاحترامِ.
إنَّ المجتمعَ العُمانيَّ، بما يحملهُ من رصيدٍ أخلاقيٍ وثقافيٍ وتاريخيٍ، لا يليقُ بهِ أن يُعادَ تشكيلُ وعيهِ على يدِ المحتوى العابرِ أو الخطابِ المنفلتِ أو الشهرةِ الفارغةِ؛ وما أحوجَنا اليومَ إلى أن نستعيدَ معنى الكلمةِ المسؤولةِ، والقدوةِ الهادئةِ، والحوارِ الذي يختلفُ دونَ أن يجرحَ، ويناقشُ دونَ أن يهينَ، وينتقدُ دونَ أن يهدمَ؛ فالأوطانَ لا تبنى فقط بالمشروعاتِ والطرقِ والمباني، بل تبنى أيضًا بما يستقرُّ في النفوسِ من قيمٍ، وما يسودُ بينَ الناسِ من احترامٍ، وما يُربَّى عليهِ الجيلُ من وعيٍ واتزانٍ.
وفي النهايةِ، قد لا نملكُ أن نوقفَ طوفانَ المحتوى، لكنَّنا نملكُ أن نقررَ كيفَ نستقبلهُ، وكيفَ نربي أبناءَنا عليهِ، وكيفَ نختارُ لأنفسِنا موقعًا فيهِ: هل نكونُ جزءًا من الفوضى، أم جزءًا من الوعيِ؟ ذلكَ هو السؤالُ الذي لا يخصُّ شاشةً صغيرةً في اليدِ، بل يخصُّ صورةَ المجتمعِ الذي نريدُ أن نراهُ غدًا.