د. عبدالمحسن الرحيمي
قبل سنوات، لاحظت إحدى الدراسات الدولية في إدارة المخاطر أن بعض الاقتصادات تتعامل مع الأزمات العالمية بهدوءٍ نسبي، بينما تدخل اقتصادات أخرى في حالة من الارتباك السريع، رغم امتلاكها مستويات متقاربة من الموارد والتقنية.
التفسير لم يكن اقتصاديًا بقدر ما كان سلوكيًا: بعض المجتمعات طوّرت عبر تاريخها قدرة أعلى على التعامل مع عدم اليقين.
هذا يقود إلى سؤال أعمق من المؤشرات الاقتصادية: هل يمكن للبيئة الجغرافية أن تترك أثرًا طويل المدى في طريقة التفكير وإدارة القرار؟
في الحالة السعودية، لا يمكن فهم الكثير من أنماط السلوك المؤسسي والمجتمعي دون الانتباه إلى أثر الصحراء بوصفها بيئة تكوينية ممتدة عبر قرون. فالصحراء ليست مجرد مساحة جغرافية، بل نظام حياة فرض شروطًا خاصة للبقاء، وشكّل مع الزمن نمطًا ذهنيًا يمكن وصفه بـ الحقل العصبي الصحراوي.
هذا المفهوم يشير إلى التأثير التراكمي للبيئة الصحراوية في تشكيل عقل جمعي يتعامل مع العالم بوصفه مجالًا مفتوحًا للاحتمالات، لا بيئة مستقرة يمكن التنبؤ بها بدقة. في الصحراء، الموارد محدودة، والظروف متغيرة، والخطأ قد يكون مكلفًا، ولذلك لا تُبنى القرارات على التفاؤل وحده، بل على تقدير المخاطر، وقراءة الإشارات المبكرة، والاحتفاظ دائمًا بهوامش أمان.
عبر الأجيال، يتحول هذا النمط من التكيف إلى بنية ذهنية مستقرة. فالمجتمعات التي نشأت في بيئات غير يقينية تطوّر حسًا مرتفعًا بإدارة الاحتمالات، وتميل إلى التفكير بعيد المدى، وتفضّل المسارات القابلة للتعديل على الخطط الصلبة المغلقة. كما تتشكل لديها قدرة نفسية على الصبر الاستراتيجي، وعلى التحرك التدريجي دون فقدان الاتجاه.
وعندما ننتقل من البيئة التاريخية إلى الواقع المعاصر، يمكن ملاحظة امتداد هذا النمط في إدارة التحولات الكبرى داخل المملكة، فالمشروعات الوطنية تحمل مستوى عالياً من الطموح، لكنها في الوقت نفسه تُصمَّم على مراحل، وتُراجع بشكل مستمر، وتُدار ضمن منظومات تسمح بالتكيف مع المتغيرات الاقتصادية والتقنية العالمية.
هذه المقاربة لا تعكس فقط منهجية إدارية حديثة، بل تتسق مع نمط أعمق من التفكير تشكّل عبر علاقة طويلة مع بيئة لا تسمح بالمغامرة غير المحسوبة. فالتحول هنا ليس اندفاعًا نحو المستقبل، بل انتقال محسوب داخل مجال واسع من الاحتمالات.
ومن زاوية أوسع، يقدم مفهوم الحقل العصبي الصحراوي تفسيرًا لميزة استراتيجية أصبحت ذات قيمة عالية في عالم اليوم. فالاقتصاد العالمي، وسلاسل الإمداد، والتقنيات الناشئة، والأسواق المالية، كلها أصبحت تعمل في بيئة عالية التقلب. وفي مثل هذا السياق، لم تعد القدرة على التنبؤ الدقيق هي الأهم، بل القدرة على الاستجابة السريعة، وإعادة ضبط المسار عند الحاجة، والعمل بثقة داخل حالة مستمرة من عدم اليقين.
هذه القدرة تظهر بوضوح في مشروعات شمال غرب المملكة، حيث تتحول الصحراء نفسها إلى منصة لتجريب نماذج جديدة من التنمية. فالمدن الجديدة والمناطق الاقتصادية والسياحية لا تُبنى كنماذج جامدة مكتملة دفعة واحدة، بل كمشروعات قابلة للتطور المرحلي، يتم تعديلها وفق التطورات التقنية والاقتصادية، في انسجام مع البيئة الطبيعية بدل فرض نماذج معزولة عنها.
هذا التحول يعكس فكرة أعمق من مجرد استثمار جغرافي، وهي أن البيئة التي كانت يومًا تُنظر إليها بوصفها تحديًا يمكن أن تتحول إلى مصدر لفلسفة تنموية كاملة. فالصحراء، في هذا المعنى، لم تكن عائقًا أمام الحداثة، بل مدرسة مبكرة في إدارة المخاطر، والتفكير الاحتمالي، والصبر طويل المدى.
الحقل العصبي الصحراوي لا يعني البطء أو الحذر المفرط، بل يعني وضوح الإيقاع. إنه القدرة على الجمع بين طموح كبير وتنفيذ متدرج، وبين رؤية بعيدة المدى ومرونة تشغيلية، وبين الجرأة في التصور والانضباط في الحركة.
وفي عالم يتجه نحو السرعة المفرطة وضغط القرار اللحظي، تصبح هذه القدرة ميزة نادرة. فالكثير من الأنظمة المعاصرة تمتلك سرعة عالية في اتخاذ القرار، لكنها تعاني عند أول صدمة غير متوقعة. أما المجتمعات التي اعتادت تاريخيًا العمل داخل بيئة غير مستقرة، فإنها تتعامل مع المفاجآت بوصفها جزءًا طبيعيًا من المشهد، لا استثناءً يربكها.
ومن هنا يمكن فهم الحقل العصبي الصحراوي ليس بوصفه وصفًا ثقافيًا، بل إطارًا تحليليًا يفسر جانبًا من طريقة إدارة التحول في المملكة، كما يقدم إضافة للنقاش العالمي حول العلاقة بين الجغرافيا ونماذج القيادة في القرن الحادي والعشرين.
فالجغرافيا لا ترسم حدود الدول فقط، بل يمكن أن تترك أثرًا طويل المدى في طريقة التفكير، وفي درجة تحمل المخاطر، وفي أسلوب التعامل مع المستقبل.
وعندما تتحول الصحراء من خلفية مكانية إلى بنية ذهنية، يصبح المكان نفسه جزءًا من نظام معرفي غير مرئي، يدرّب المجتمع على التحرك بثقة داخل عالمٍ متغير، عالم لا تحكمه اليقينيات، بل الاحتمالات.